لا صوت يعلو على إنقاذ الاقتصاد (النهار ٥ نيسان)

نقلت وسائل الإعلام بشيء من الاستغراب كلمة لرئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب #محمد رعد، في حفل تأبيني في بلدة كفررمان، انتقد فيها بشدّة المرشّحين ذوي الخلفية الاقتصادية. وأضاف أن المرشّح الذي لديه خلفية اقتصادية يستطيع التفاهم مع المؤسّسات المالية الدولية التي يمكنها، من خلاله، فرض التعليمات والتوجيهات والسياسات التي يرسمها “النافذون الإستكباريون” في العالم بهدف تطويع “إرادة شعب قاوم الإسرائيليين وهزمهم”.
فسّر البعض هذا التصريح بأنه للنيل من أحد أبرز المرشحين للرئاسة الدكتور جهاد أزعور، لكن هذا التفسير لا يخلو من السطحية والتبسيط، لأن خطاب النائب رعد يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يحمل في طيّاته تنصّلاً ضمنياً من اتفاق الحكومة اللبنانية مع صندوق النقد الدولي. فهو لم يشنّ حملة شخصية على الوزير السابق جهاد أزعور، الذي يتعذّر على أخصامه أن يجدوا في كل تاريخه السياسي والمهني ما يبرّر التهجّم عليه، بل وجّه سهامه إلى صندوق النقد والبنك الدوليين الساعيين إلى فرض التعليمات والتوجيهات “الاستكبارية” على لبنان.
هذا الإعلان بنبرة عالية لرئيس كتلة “حزب الله” النيابية يدعو إلى القلق. فهو يعني إمكان تنكّر الحزب لاتّفاق بدأت بإعداده حكومة الرئيس حسان دياب التي كانت محسوبة كليا على الحزب، وأبرمته الحكومة الحالية التي يتحكّم “حزب الله” بقراراتها وسياساتها ووتيرة اجتماعاتها، ما يعني أن توقيع الاتّفاق مع الصندوق قد يصبح حبراً على ورق. ومن غير المستبعد أن يتعامل الحزب مع هذا الاتفاق كما تعامل مع “إعلان بعبدا” الذي صدر في عهد الرئيس ميشال سليمان، إذ وافق الحزب على الإعلان ثم تنكّر له قبل أن يجفّ حبره.
لكن الظروف اليوم أخطر من تلك التي أحاطت بـ”إعلان بعبدا” وهي لا تسمح بتغليب التكتيك السياسي على الهدف الاستراتيجي، ولا تمنح القوى الحزبية الكبرى وقتاً للمناورات والاستعراضات البهلوانية. فلا صوت يعلو على صوت المعركة، والمعركة اليوم هي معركة إنقاذ الاقتصاد اللبناني والشعب اللبناني من الكارثة.
سواء أحبّ “حزب الله” صندوق النقد أم لم يحبّه، من المفيد، لمصلحة جماهيره على الأقلّ، أن يتذكّر التحذير الذي جاء في البيان الختامي لبعثة الصندوق التي زارت لبنان الشهر الماضي: لبنان يقف حاليا عند مفترق طرق خطير، ومن دون الإصلاحات السريعة سيغرق في أزمة لا نهاية لها.
تؤكّد مصادر سياسية عليمة أن “حزب الله” استقبل بعثة الصندوق المشار إليها، في إطار جولتها على الفعاليات السياسية والاقتصادية في لبنان. وما يتناقض مع موجبات الشفافية والصدقية المطلوبين في الظروف القائمة أن الاجتماع قد تناول مختلف القضايا المطروحة سواء على صعيد الأزمة الاقتصادية والمالية أو على صعيد الاتّفاق المعقود بين موظفي الصندوق والدولة. ولم يتبلّغ الوفد الدولي خلال اللقاء أو بعده أن “حزب الله” يعتبر الصندوق والبنك الدولي مؤسّسات معادية هدفها فرض الإرادات الاستعمارية على لبنان، ولا أنه يرفض اتفاقه المبدئي مع الدولة.
وقد تضمّن خطاب النائب محمد رعد إشارة أخرى أخطر من احتمالات التنكّر للاتفاق مع صندوق النقد. ففي معرض نقده للمرشحين ذوي الخلفية الاقتصادية أعلن النائب رعد تفضيل “شخصيات ممن اعتاد عليها الجمهور اللبناني”، وهذا يعني رغبة الحزب في تجديد البيعة للطقم السياسي التقليدي الذي مارس الهدر والفساد والمحاصصة وانعدام الرؤيا، فألغى الدولة وقاد المجتمع نحو الانهيار والإفلاس والفقر والجوع. إن هذا الإعلان يكشف دعم الحزب لنظام المحاصصة والفساد وإنْ لم يكن شريكاً في كل موبقاته.
أما تفسير البعض فحوى الخطاب بأنه ضد ترشيح الوزير جهاد أزعور فهو أمرٌ هامشي لا يستحق النقاش، لأن لا أحد يصدّق أن الوزير أزعور هو كائن غريب عن لبنان تأتي به المؤسّسات الدولية من الخارج لتفرض به إرادتها على البلد.
لقد بنى أزعور تجربته المهنية أساساً على أرض لبنان عضواً في فريق استشاري في وزارة المال وساهم في تنظيمها، وتدرّج حتى أصبح وزيراً للمال. وهو من أكثر العارفين بمشاكل الدولة وماليتها ومن أقدر الشخصيات على رسم خريطة للخروج من الأزمة كما فعل عندما أشرف على إعداد ورقة لبنان إلى مؤتمر “باريس 3″، وهي أكمل وأنضج الوثائق في مسلسل الوثائق الاقتصادية اللبنانية وبرامج الإصلاح.



