خاص- لبنان يسجل أعلى نسبة مسنين في بلد عربي .. ماذا في تأثيرات الأزمة على الديموغرافيا اللبنانية؟

تسلّل الإنهيار التاريخي الذي يمر به لبنان إلى مختلف القطاعات تاركاً أثار من الصعب تجاهلها، لاسيما إنه كان لإهتزاز الإستقرار الإقتصادي نتائج مباشرة على البنية الديموغرافية اللبنانية. ففي ظل الإنهيار الدراماتيكي الذي يشهده الإقتصاد اللبناني تراجعت معدلات الزواج والولادات وإرتفعت معدلات الهجرة، ما يطرح تساؤلات حول الصورة المستقبلية للبنية الديموغرافية في لبنان في ظل تفاقم الأزمات الإقتصادية، أثر تراجع الولادات على النمو الإقتصادي في السنوات المقبلة.
في هذا الإطار، أكد منسّق مختبر الديموغرافيا – مركز الأبحاث في معهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية د. شوقي عطيه لموقعنا Leb Economy أن “إنعكاس الأزمات المتعاقبة يظهر بمنظارين، الأول مباشر، وهو على المدى القصير حيث تتمثل النتائج الفورية بإنخفاض الولادات وزيادة الهجرة، وهذا ما ظهر في لبنان مع إنخفاض الولادات بين عام 2019 واليوم”، مشيراً إلى أن “معدل تراجع الولادات السنوي بين عامي 2019 و2021 بلغ 13-% سنوياً”.
ولفت عطيه إلى أن “الهجرة التي شهدها لبنان، وعلى الأرجح من دون رجعة، تقدر بحوالي 300 ألف مهاجر ومعظمهم ممن هم في سن النشاط”.
ووفقاً لعطيه “الإنعكاس الثاني للأزمات يكون على المدى المتوسط والبعيد حيث تمنهج الأسر عملية الإنجاب، فينخفض العدد المخطط له للولادات للتماشي مع الإمكانيات المادية للأسرة. أضف إلى ذلك تراجع معدلات الزواج بسبب الضغوط الإقتصادية وما يترافق معها من غياب أفق واضح للأسر والأفراد في لبنان”.
وأوضح أنه “مع استمرار إنخفاض الولادات وإرتفاع الهجرة، وخاصة بين الشباب، ترتفع نسبة المسنين في المجتمع اللبناني. هذا إذا إفترضنا أن معدل الوفيات لن يزداد بسبب الأزمة التي تعصف أيضاً بالقطاع الصحي”.
وكشف عطيه عن أن ” نسبة المسنين اقتربت من 12% عام 2020، وهي أعلى نسبة في بلد عربي. إلا أن هذه النسبة مرشحة لإزدياد مضطرد حيث ستتجاوز الـ15% بعد 10 سنوات على أبعد تقدير”.
وأكد أن “كل هذه الأرقام المقدمة تستند على فرضية بقاء الأمور كما هي عليه، أي تراجع الولادات والزواج وإرتفاع الهجرة كما هو اليوم. لكن في العادة تؤدي الأزمات البنيوية إلى تداعيات وفق نمط كرة الثلج حيث تزداد الهجرة طردياً مع تفاقم الأزمة وتنخفض الولادات والزيجات أكثر فأكثر. كل هذا سيسرّع من تنامي نسبة كبار السن وصولاً إلى تحويل لبنان إلى بلد هرم”.
وفي ردٍ على سؤال حول أثر التراجع الكبير للولادات في الوقت الحالي على النمو الإقتصادي اللبناني مستقبلاً، قال عطيه: “هذا السؤال يوصلنا إلى الحديث عن علاقة الأزمة بإستمرار الأزمة. فعندما تنخفض نسبة المعيلين في المجتمع (15-64 من الذين يعملون) ترتفع نسب الإعالة، وخاصة لدى كبار السن الذي تزيد أعباء إعالتهم أضعافاً عن إعالة الصغار وذلك للتكاليف المرتبطة بالتعمّر وخاصة الصحة”.
وأشار أن “المسألة لا تتوقف هنا، مفترضاً أننا في بلد لديه نظام رعاية فعال، فإنخفاض نسبة الناشطين وإرتفاع نسبة كبار السن تزيد عبء الإعالة على الصناديق الضامنة التي ستحمل العبء مباشرة للناشطين وهذا ما يؤدي إلى إرتفاع الرسوم عليهم”.
وبحسب عطيه: “يمكن أن نتحدث عن مسألة إعادة إطلاق الإقتصاد عندما يحين وقت ذلك والذي سيتطلب يداً عاملة ماهرة هاجرت بمعظمها إلى الخارج. كل هذه الأزمات مرتبطة بتراجع الولادات، ومفصّلة على تعدد الأزمات الإقتصادية”.
أما فيما يخص الحلول التي من المفترض وضعها في ظل هذه الظروف لتفادي مخاطر هذا التراجع، لفت عطيه إلى أن “تراجع الولادات على المدى القريب جيد لأنه يخفف من إعالة الصغار، إلا أن لبنان يشهد تراجعاً منذ عدد من السنوات. ولم يكن الإرتفاع في الولادات من 2011 إلى 2019 إلا بسبب تأثر أعداد الولادات في لبنان بالنازحين السوريين ذوي الخصوبة المرتفعة حيث بلغت نسبة الولادات بين غير اللبنانيين عام 2020 ما يقارب الـ 16%، ومعظمهم من السوريين خارج المخيمات إذ أنه لا يتم ادراج الولادات في المخيمات”.
وشدّد عطيه على أنه “لا بد من تفعيل السياسة السكانية المغيّبة في لبنان التي لا بد أن تهدف إلى كبح التراجع في الولادات وتشجع على توزان المجتمع (ولدين لكل أسرة). علماً إنه لا سبيل إلى ذلك من دون وقف التدهور الإقتصادي الحالي ليتشجع الشباب على الزواج أولاً قبل أن يفكروا أصلاً بمسألة إنجاب ولدين على الأقل”.



