لبنان… بين ما يريده الأميركي وما يستطيع تحقيقه (الديار ٢٧ كانون الثاني)

من ير المشهد اللبناني الحالي، من الصراع القضائي، للارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، للغلاء، لدور الإعلام التحريضي، للاستفزازات، لتوتير الأوضاع، للحديث عن التقسيم والفيدرالية، للموقف الخليجي وتحديداً السعودي المستمر في معاقبة لبنان، لتحركات العدو الإسرائيلي على الحدود رغم استبعاد فرضية الحرب، يعد تلقائياً بالذاكرة الى الوراء وتحديداً الى الكلام الذي قالته مساعدة وزير الخارجية الأميركية باربرا ليف “ان موجة الاحتجاجات ستندلع مجددا، والدولة اللبنانية ذاهبة نحو التفكك. للأسف، فإنه يتعين على اللبنانيين أن يشعروا بمزيد من الألم…” قيل هذا الكلام ولكن ما يحصل اليوم ليس تطبيقاً له وإنما الإيحاء بتطبيقه، لأن الأميركي لا يستطيع تنفيذ مخططه وأخْذ البلد الى الحرب، لسببين: الأول أنه يفتقد لأدواته الداخلية بحيث أن فريقه غير قادر على جمع أوراقه، والثاني: يكفي على الطرف الآخر في البلد ضبط النفس فقط لمنع هذا المخطط، فكيف إذا كانت الأوراق بيده ولديه قدرة على إدارة اللعبة بهدوء واستيعاب الهجوم، لذا أقصى ما يستطيع القيام به الأميركي هو عملية الضغط التي يمارسها حاليا علّه يحصل في النهاية على مكاسب في المرحلة المقبلة.
المرحلة المقبلة ليست محصورة فقط في الرئاسة على ما يبدو وإنما تشمل رئاسة الحكومة، فالكلام الذي تسرّب عن البحث الخارجي عن سلّة متكاملة ليس عابراً، فالأميركي يريد الاستمرار في التصعيد الداخلي ويُبقي الوضع على هذا النحو قبل أن يصل الى مرحلة المفاوضات يكون الهدف منها الوصول الى “صفقة” تُحدد مواصفات رئيس الحكومة التي تتضمن: عدم القبول بالهبات، عدم التوجه شرقاً وعدم فتح ملف عودة النازخين السوريين.. لذلك ستبقى ترتفع وتيرة الضغط وسيبقى اللعب على حافة الهاوية وصولاً الى التسوية..
كما كان متوقعاً، أصبحنا في صلب مرحلة الضغط القصوى التي تسبق الانتخابات الرئاسية، لذا نحن اليوم أمام معركة مفتوحة وسيناريوهات متعددة، لكن سيناريو ١٧ تشرين لن يتكرر ولن تصل الأمور الى الفلتان الأمني لثلاثة اعتبارات: الأول: العقل المدبّر ل ١٧ تشرين غير موجود على الأرض باعتبار أنه فقد الكثير من وجوهه الأساسية، والثاني، لا يستطيع الجيش أن يكرر اداءه السابق باعتبار أن قائده مطروح لرئاسة الجمهورية، أما الثالث: فرغم كل ما حصل في بداية هذه المرحلة لم تتغيّر المعادلة بدليل نتائج الانتخابات النيابية التي لا يمكن تخطيها.
إذاً.. يمكننا أن نعتبر أننا في معركة مفتوحة، حدودها معروفة، باعتبار أن أقصاها حصل سابقاً في ١٧ تشرين وما يحصل الان هو ما تبقى منه وكأنه نسخة مصغّرة لكن بالأهداف الكبيرة نفسها، لذا نراه يندرج ضمن السيناريوهات المتكررة والأدوات الموجودة التي يتم تحريكها حسب الطلب، ولكن التجربة علّمتنا أنه علينا دائماً أن نفرّق بين ما يريده الأميركي وما يستطيع تحقيقه…



