أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

مجزرة التضخّم مستمرة… والأرقام الرسمية لا تعكس حقيقة الأسعار (الديار 15 تشرين الثاني)

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:

قد يتساءل البعض عن سبب استخدامنا لعبارة «مجزرة التضخّم» في عنوان هذا المقال وقد يرى فيه البعض مبالغة، إلا أن الحقيقة الاقتصادية أن التضخّم وصل إلى مستويات أصبحت معها تداعياتها تُشبه إلى حدٍ بعيد المجازر الجماعية التي تُقترف ضد الشعوب. مؤشر الأسعار على الاستهلاك (الرسمي) وصل إلى أعلى مستوياته مع بلوغه 567.65 نقطة في شهر آب الماضي، مع العلم أنه كان يبلغ 108.85 في شهر أيلول من العام 2019 أي قبل بدء الإحتجاجات الشعبية.

إلا أن هذه الأرقام وعلى الرغم من فظاعتها، لا تعكس الواقع الحقيقي نظرًا إلى أن الأسعار ارتفعت بعشرة أضعاف وليس بخمسة أضعاف ونصف كما تقول الأرقام الرسمية، وهو ما يضع علامة استفهام على دقة هذه الأرقام. فعلى سبيل المثال صفيحة البنزين ارتفعت من 25 ألف ليرة إلى أكثر من 300 ألف ليرة، وعبوة الذرة كانت بثلاثة آلاف ليرة وأصبحت بـ 32 ألف ليرة، وكيس الحليب كان بـ 20 ألف ليرة وأصبح بـ 156 ألف ليرة، ولوح الشوكولا كان بـ 500 ليرة وأصبح بـ 9500 ليرة لبنانية!

تداعيات كارثية على كل المستويات

التداعيات لهذا الارتفاع كارثية وأولها على صعيد الفقر. فالتقرير الأخير الذي أصدرته منظّمة الإسكوا، يشير إلى أن عدد العائلات القابعة تحت الفقر المُدقع (أقلّ من 1.9 دولار أميركي يوميًا للشخص الواحد) هو 500 ألف عائلة على إجمالي عائلات لبنان البالغة مليونا ومئتي وخمسين عائلة. في حين أن 900 ألف عائلة تقع تحت خطّ الفقر العام! وبمقارنة بسيطة بين الأرقام في العام 2019 والعام 2021، نرى أن نسبة الفقر المُدقع ارتفعت من 8.23% في العام 2019 إلى 40% في العام 2021، والفقر العام من 30% في العام 2019 إلى 72% في العام 2021، وهو ما يعني إضمحلال الطبقة الوسطى التي تُعتبر نواة الإقتصاد والمموّل الأول لمالية الدولة من باب الضرائب مع انخفاض هذه النسبة من 46% في العام 2019 إلى 22% في العام 2021. والملفت في الأمر أن هناك ثمانية آلاف شخص (على إجمالي الشعب اللبناني) انتقلوا من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الغنية بفعل الاستفادة من الأزمة ومعظم هؤلاء يأتون من بيئة التجارة والأعمال الحرّة «المدعومة».

الإنجاز «التاريخي» الذي قامت به حكومة الرئيس حسان دياب بوقف دفع سندات اليوروبوندز ولاحقًا وقف دفع سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، كان الشرارة الأولى لإطلاق العنان للتضخّم. ويكفي النظر إلى البيانات التاريخية (أنظر إلى الرسم) لمعرفة أن مُجرّد الإعلان عن وقف دفع سندات اليوروبوندز دفع بالأسعار إلى مستويات هائلة ليصبح هذا الإعلان الصاعق الذي فجّر الأزمة وكسر التوازن المالي – النقدي الذي كان قائمًا.

ترجمة التضخم تمّت من خلال ارتفاع غير منطقي ولا عقلاني لأسعار السلع والبضائع حيث كان للعصابات والمافيات كلمتها الفصل في تسعير السلع والبضائع بالتكافل والتواطؤ مع أصحاب النفوذ. ودعم هذه المافيات تطبيقات على الإنترنت لم تجد الحكومة الداعي لتوقيفها إلى وقتنا هذا، مع العلم أنها – أي التطبيقات – مسيطرة على النشاط التجاري في البلد. ويسأل المراقب لماذا لا تقوم الحكومة بتوقيف التطبيقات؟ ويأتيك الجواب من المسؤولين السياسيين أن هناك استخداما لتقنيات لا مقدور للدولة اللبنانية عليها. في الواقع هذه الأجوبة بحدّ ذاتها هي إدانة للمسؤولين ولجهابذة المعلوماتية الذين أعطوا المسؤولين هذه الأجوبة، ويستشف منها «قبّة باط» لترك هذه التطبيقات تعمل على هواها!

الاحتكار والتهريب والتسعير العشوائي… كلها ممارسات قامت بها المافيات على حساب الشعب اللبناني وغرفت بيديها الاثنتين من أموال الشعب ومن المال العام من خلال الدعم الذي استمرّ على مدى عام ونيّف مع دعم للـ «كافيار» والـ «فياغرا»!!! إنها قمّة الاستهتار وقعر الحوكمة. نعم هذا أقل ما يمكن وصف هذه المرحلة به، وهي التي كانت لتكون أقلّ عبئًا على الشعب لو أن الحوكمة كانت موجودة ولو أن القضاء كان مستقلًا لكف يدّ المرتكبين الفاسدين. لكن التاريخ وحده كفيل بإدانة هذا الأداء وإنصاف أصحاب القرار.

ومن تداعيات التضخّم أيضاً زيادة هجرة الشباب اللبناني التي بدأت بشكل كبير، وما مؤشر طلب جوازات السفر إلا دليل واضح على تداعيات الوضع الحالي. ومن المتوقّع أن ترتفع نسبة الهجرة في الأعوام القادمة بحيث تُقدّر نسبة الهجرة بأكثر من 60% من فئة الشباب! وبحسب دراسة أعدتها جمعية سوليداريتيي، يُتوقّع أن يغادر لبنان بين عامي 2020 و2023، 10% من عدد السكان البلاد.

بواسطة
جاسم عجاقة
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى