خلو سدة الرئاسة بين 2014 و2022 .. ماذا تغيّر اقتصاديا؟

صحيح ان اللبنانيين بمعظمهم باتوا يسلّمون مسبقاَ بخلو سدة الرئاسة وعدم انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهل الدستورية، وتجربة الماضي وما سبقها من تجارب دليل على ذلك.
لكن شغور اليوم بما يحيطه من أزمات وأوضاع تعيشها البلاد يختلف عن الظروف الاقتصادية والمالية التي كان يعيشها اللبنانيون في العام 2014، عندما إنتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان وخلت رئاسة الجمهورية لسنتين ونصف السنة.
في ذاك الوقت، كان الوضع الإقتصادي يشكّل إستمرارية لإستقرار فُرِضَ بسياساتٍ مالية ونقدية وبتثبيت سعر صرف اليرة على الـ1500 منذ التسعينيات، على الرغم مما تخلّل ذلك أزمات بالمفرّق.
اليوم، أتى خلو سدة الرئاسة بعد الإرتطام المالي الذي وقع في الفصل الأخير من العام 2019 وإنفجر بعد أحداث 17 تشرين وتفاقمت الأزمات تباعاً بغياب سياسات إصلاحية ومعالجات إنقاذية حتى بات من يقارن بين الماضي وتحديداً عندما تُرِكَ البلد للفراغ في العام 2014 وبين أوضاع اليوم ببداية فراغ الـ2022، يكتشف بالأرقام حجم الهوة والإنهيار الذي بلغه البلد بين سعر صرف الليرة اللبنانية مثبتاً على الـ1500 في الأمس وبين أسعار صرف متعددة اليوم وتقديراتها الحقيقية في ما يُعرَف بالسوق الموازي بما يقارب الـ40 ألف، وبين قدرة المواطنين على الوصول إلى ودائعهم في المصارف والتصرّف بها أو سحبها وبين فرض الكابيتال كونترول والهيركات خارج أي إطار قانوني ومنع المودعين من التصرّف بودائعهم أو الوصول إليها.
وفي مقارنةٍ أكثر تفصيلاً للأوضاع الإقتصادية والمالية بين الشغورين، في العام 2014 كان الناتج المحلي 48.5 مليار دولار وتراجع في العام 2022 إلى ما دون النصف وبلغ 20.6 مليار دولار، ومعه تراجعت نسبة الإستيراد من 20.5 مليار دولار في العام 2014 إلى 13.6 مليار دولار اليوم.
الأسوء أن نسبة التضخّم تجاوزت الـ272% كما أن الودائع وبسبب الفجوة المالية التي إنكشفت في مصرف لبنان، باتت تُعرَف باللولار حتى تكاد تكون هذه الودائع طارت بين المصارف والمركزي وسوء إدارة أموال المواطنين.
إنها عيّنة من لائحة تفصّل حجم الخسائر جرّاء الإنهيار المالي، لكن ما لا يقل خطورة عن كل ما تقدّم أنّ إنفجار الأزمة اليوم خلّق قنابل إجتماعية موقوتة تهدد بالأسوء على مستوى الأمن الإجتماعي وخصوصاً عندما تنعدم الخدمة الأساس وهي الطاقة والتي وصلت اليوم إلى صفر تغذية بالتيار الكهربائي، ما كبّد المواطنين والشركات الخاصة فواتير هائلة للمولدات الخاصة. كما أنّ إرتفاع نسبة البطالة بين اللبنانيين إلى 38% بعدما كانت 22% منذ سنوات، لا يبشّر بالخير خصوصاً مع تصاعد موجات الهجرة بالتوازي منذ العام 2014 لتبلغ أرقاماً قياسيّة أواخر عام 2021، بهجرة ما يقارب الـ240 ألف مواطن بحثاً عن مستقبل أفضل.
صحيح أنّ نسب النمو لم تكن لسنوات ومنذ ما قبل العام 2014 بأحسن حالاتها، لكن اللبنانيون كانوا يعيشون على الأقل إستقراراً إقتصادياً ومالياً مقبولاً في سنوات ما قبل الإرتطام الكبير. أما اليوم وفي غياب أي أُفُق للخروج من الأزمة، ونظراً لحجم هذه الأزمة، تطرح مخاوف كثيرة حول أي إستقرار مطلوب وأي أمن سيمسك بلداً بات على بعد خطوات من إنفجار إجتماعي سببه الجوع والعوز والبطالة والمرض والموت، إما على أبواب المستشفيات أو غرقاً في قوارب الموت.



