المؤسسات التربويّة بين “الكوليرا” والواقع الإقتصادي
التقشف واقع... والوقاية بغالبيّتها توجيه نظري.. والتطبيق...؟؟

لم تكد تخف حدة “كورونا” حتى بدأت “الكوليرا” بالتفشي، بحيث أُبلغ عن أول حالة إصابة في لبنان في 6 تشرين الاول 2022، وبدأ عدد الاصابات بالتزايد لا سيما في عكار وبعلبك، بعد ان كان محصورا بين اللاجئين، وامتد ليشمل سكان هذه المناطق.
ومع تواصل ارتفاع الحالات المصابة بـ “الكوليرا”، تسيطر حالة من القلق على اللبنانيين، لا سيما وان الواقعين الاقتصادي والصحي يعانيان بشكل كبير، ما يضاعف الخوف من خطورة عدم القدرة على احتواء انتشار “الكوليرا” وتفشيها.
وفي حين حذر وزير الصحة في حكومة تصريف الاعمال فراس الابيض من انتشار متسارع لـ “الكوليرا”، عمدت وزارة التربية عبر مدارسها إلى إرسال توجيهات وتوصيات تهتم بموجبها الادارات بالطلاب لناحية التوجيه كخطوة استباقية. كما عمد القطاع الخاص في المؤسسات التربوية إلى إقامة حصص توجيهية من قبل مختصين، او عبر الاستعانة بطبيب المدرسة، مع التأكيد على الاهتمام بتعقيم المياه والاهتمام بالنظافة العامة عبر اجراءات عدة.
ما هي ” الكوليرا” وأعراضها؟
“الكوليرا” مرض إسهال حاد ينتج عن عدوى الأمعاء ببكتيريا “الكوليرا”. يمكن أن يمرض الناس عندما يبتلعون طعامًا أو ماءً ملوثًا بهذه البكتيريا، وغالبًا ما تكون العدوى خفيفة أو بدون أعراض ، ولكنها قد تكون شديدة في بعض الأحيان وتهدد الحياة.
قد تظهر عند الاصابة بهذا الوباء مجموعة من الأعراض، وهي تتراوح بين الخفيفة والحادة وتكون: اسهال حاد، تقيؤ، تشنجات في الساق، الأرق …وقد يؤدي استمرار الاسهال الحاد والتقيؤ إلى الجفاف، بحيث تظهر أعراض إضافية على المرضى وتشمل سرعة دقات القلب، والضغط المنخفض …ويمكن أن يصاب الأشخاص المصابون بـ “الكوليرا” الشديدة بالجفاف الشديد ، مما قد يؤدي إلى الفشل الكلوي إذا تركت دون علاج ، كما يؤدي الجفاف الشديد إلى الصدمة والغيبوبة والموت في غضون ساعات.
الوقاية
للوقاية من “الكوليرا” ، يجب غسل اليدين جيدا واتخاذ خطوات لضمان سلامة استخدام الطعام والمياه. يتم تقليل خطرالإصابة بـ “الكوليرا” بشكل كبير بالنسبة للأشخاص في المناطق التي تنتشر فيها عند اتباع هذه الخطوات البسيطة:
– التأكد من شرب واستخدام المياه الصالحة للشرب. ويجب استخدام المياه المعبأة لتنظيف الاسنان ، وغسل الطعام وتحضيره ، وصنع الثلج أو المشروبات. أما إذا كانت المياه المعبأة غير متوافرة ، يمكن استخدام المياه التي تم غليها أو معالجتها بالكلور أو تصفيتها بشكل صحيح باستخدام مرشح يمكنه إزالة البكتيريا. قد لا تكون مياه الأنابيب والمشروبات التي تُباع في أكواب أو أكياس والثلج آمنة.
– غسل اليدين جيدا بالماء والصابون، قبل وأثناء وبعد تحضير الطعام بعد استخدام المرحاض. أو بعد الاعتناء بشخص مريض بالإسهال. يمكن إضافة الصابون واستخدام مطهر كحولي لليدين يحتوي على 60٪ كحول على الأقل.
– استخدام المراحيض: يعد استخدام المرحاض في المنزل او اي مرفق صحي او مؤسسة تربوية وغيرها من الأهمية بمكان، لأنه مصدر اساس لانتقال العدوى. يجب تعقيم المراحيض والاهتمام بنظافتها، غسل اليدين والاهتمام بتعقيمها. كما ويجب التأكد من ملاءمة امكنة التخلص من نفايات المراحيض إن اماكن الصرف او رمي النفايات الورقية وغيرها. إن التلكؤ بهذا الأمر من شانه ان يسبب انتشارا متسارعا لا تحمد عقباه.
– العناية بالطعام: يفضل اكل الطعام المطهو بطريقة جيدة، والخضار المعقمة والمقدمة بطريقة مغلقة بحال بيعت. كذلك تقشير الفواكه وتجنب اكلها دون غسلها وتقشيرها جيدا. وهذا ما يستدعي ايضا الاهتمام بتنظيف الادوات المطبخية وتركها تجف بشكل كامل . إضافة إلى غسل وتعقيم الملابس وغليها حين يلزم وعدم استخدام اغراض وملابس مشتركة.
الواقع التربوي
يتداخل الواقع الاقتصادي مع الواقع التربوي الموجود ليزيد من صعوبة التعامل مع “الكوليرا” حاليا او حتى اي طارئ آخر إذا طرأ. تعاني المؤسسات التربوية الرسمية من تهالك البنى التحتية، ومن قلة السيولة المحولة للمدارس للاعتناء بشكل فاعل بكل المتطلبات. فعلى سبيل التخصيص لواقع تفشي “الكوليرا” اليوم، نجد التالي:
– تهالك وقدم البنى التحتية لمراحيض خزانات المياه وامداداتها.
– صعوبة تأمين المياه، بحيث تشترى في غالبية المدارس ما يلقي الضوء على مصادرها ووفرتها.
– صعوبة تأمين التعقيم الفاعل للمياه الذي يتطلب مبالغ وميزانية كبيرة .
– استخدام ادوات تنظيف غير متأكد من فعاليتها في التعقيم لاسباب توفيرية.
– عدم توافر المناديل بشكل مستمر في المراحيض.
– عدم كفاية عمال التنظيفات في المدرسة الواحدة، ما يؤثر على تأمين النظافة والمتابعة الدائمة.
– اعتماد الاهل على تعبئة المياه لأبنائهم في عبوات للاستخدام اليومي بدل الجاهزة للاستخدام الواحد، وذلك لضيق الأحوال الاقتصادية، ما يلفت الانتباه لمصادر هذه المياه ومدى تعقيمها، واحتمالية أن يشرب منها الولد نفسه أو احد زملائه.
– تفاقم الاوضاع الاقتصادية وغياب الكهرباء، وعدة معوقات تمنع الاهل من الاعتناء بملابس وهندام اطفالهم بالشكل الصحيح، وبالتالي تزويدهم بالمعقمات والوسائل الناجعة للحماية.
– نوعية الطعام المرسل مع الأبناء وكيفية تعليبه، إضافة للطعام الدي يباع في أكشاك المدارس، مصادره وطريقة تقديمه والاشراف عليه.
– وحود مرشد صحي في المدارس الرسمية مهم جدا، ولكن غياب التسهيلات لجهة امتلاك المواد لزيادة الفعالية يضعف دوره ويحصره بالتوجيه. فيما يغيب مختص طبي صحي عن الواقع المدرسي، فالمرشد الصحي لا يكون لديه خلفية تعلمية طبية.
– فيما يتعلق بالقطاع الخاص، لا شك أن الوضع في بعض المدارس الخاصة افضل من الرسمية لناحية التجهيزات والقدرات. غير أن الواقع الاقتصادي قد فرض توفيرا وتقشفا على الكل، بما فيه المدارس الخاصة، وحتى أهالي الطلاب والطلاب نفسهم في هذا القطاع.
العلاج
بعد الوقاية وتطبيقاتها، يأتي دور العلاج من “الكوليرا”، وإن كانت وقاية الاشخاص المعتنون بالمرضى او المخالطون ضرورية جدا.
تستلزم الكوليرا علاجًا فوريًّا، حيث إن المرض قد يسبِّب الوفاة في غضون ساعات. وأهم خطوات العلاج تتضمن:
– تعويض السوائل: يكمُن الهدف في استبدال السوائل المفقودة باستخدام محلول بسيط لتعويض السوائل، يُعرَف بأملاح تعويض السوائل ، ويؤخذ عن طريق الفم، ويتوافرعلى هيئة مسحوق يمكن تحضيره بالماء المغلي أو المعبأ.
– السوائل الوريدية: يمكن مساعدة معظم الأشخاص المصابين عن طريق تعويض السوائل الفموية وحدها، ولكنَّ الأشخاص المُصابين بالجفاف الشديد قد يحتاجون إلى سوائل وريدية أيضًا.
– المضادَّات الحيوية: بالرغم من كونها جزءًا غير ضروري من العلاج ، فإن بعض المضادات الحيوية يمكن أن تحد من الإسهال المرتبط بـ “الكوليرا” وتقصِّر من فترة استمراره في الأشخاص المرضى مرضًا شديدًا.
– مكمِّلات الزنك الغذائية: أظهرت الأبحاث أن الزنك قد يحد من الإسهال ويقصِّر من فترة إصابة الأطفال بـ “الكوليرا”.
ماذا بعد؟
تنتشر هذه الانواع من الاوبئة عادة في المناطق المحرومة، غير المؤهلة بمقومات العيش الصحي، بحيث تنعدم وسائل الصرف الصحي الصحيحة، وحتى طرق ووسائل العناية الصحيحة من الماء والعناية الشخصية والغذاء وغيرها، فيكون فقر الوصول إلى الموارد سببا في توفير البيئة المناسبة لتكاثر البكتيريا والجراثيم وبالتالي المرض.
وهذا ما يشهده الواقع اللبناني على كل الصعد، بحيث تتفاقم مشكلة النفايات والبنى التحتية من جهة ، وتهالك وقدم وسوء إنشاء البنى الموجودة من جهة أخرى. يضاف إليها الواقع الاقتصادي الذي يجعل باب التعرض للاوبئة مفتوحا على مصراعيه قابلا للتفشي. وفي ظل واقع صحي صعب، تبقى الوقاية اقرب إلى التنظير الاعلامي والورقي، اما التطبيق فلا يتعدى النسبة المئوية الهزيلة.



