أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

الموازنة تقرّب الاتفاق مع “الصندوق” أم تؤخّره؟ (النهار 28 أيلول)

هل اقترب لبنان خطوة إضافية في مسار الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي بعد إقرار موازنة 2022، أم أنّه تراجع مربّعاً إلى الوراء نتيجة الصيغة الأخيرة التي اعتُمدت؟ عمليّاً، يعتبر إقرار مشروع موازنة 2022 من الإنجازات المسبقة التي يطلبها صندوق النقد، في سبيل المضي قدماً نحو توقيع مجلس إدارته على الاتفاق المبدئي والموافقة عليه بما يعني تحرير الجزء الأول من مبلغ المليارات الثلاثة. لكن، هناك أكثر من معطى غير مشجّع بالنسبة إلى الأسلوب اللبنانيّ في “الرقص على الحبال” بدلاً من التقدّم المستقيم في تنفيذ الإصلاحات. ويلاحظ أن “نصف كوب فارغ” عكسته حصيلة الجلسة النيابية، وتعبّر عنه لـ”النهار” أوساط رئاسة الحكومة المواكبة للخطة الوزارية والمفاوضات الحاصلة. وكانت ترتكز العبرة الأساسية في تحضير موازنة 2023 التي يفترض وصولها المبدئي إلى مجلس النواب قبل تشرين الأول 2022. ويعني ذلك التأخّر سنة كاملة عن التصميم المفترض إنجازه. وثمة من يعزو في الفريق الحكومي أسباب تأخير النظرة إلى الموازنة وإقرارها، في عدم استعداد كتل عدّة نيابية للنظر في معطى مماثل على مشارف الانتخابات النيابية التي تفرّغ النواب لخوضها كمرشحين.

ويتمثل مكمن الخلل الآخر في الرقم الذي اعتُمد للدولار الجمركي في الموازنة، بالنسبة للمواكبين في فريق عمل رئاسة الحكومة، الذين ينتقدون التدخلات النيابية الحاصلة ويعتبرونها بمثابة “هرطقة اقتصادية” و”أرقام اعتباطية” لأنها تتلاعب بسعر الصرف الحقيقي. وهنا، لا يغفلون أن “بيت القصيد” في العمل الحكومي للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، يتمثل في توحيد سعر الصرف كالخطوة “التاج” الأساسية المكمّلة لمعاني الإجراءات المتخذة على تنوعها. لكن، ما حصل مع إقرار الموازنة أدخل فعلياً سعر صرف إضافي إلى “أنواع” سعر الصرف المتعددة لبنانياً، بما يعني الخروج عن القواعد الاقتصادية والابتعاد عن قرار إصلاحي أساسي هو توحيد سعر الصرف. ويُذكر أن النقاش تركّز بعد الانتخابات النيابية حول الدولار الجمركي الذي حدّده مشروع القانون المحوَّل من مجلس الوزراء إلى البرلمان بقيمة 20 ألفاً للدولار الواحد. ولم يكن الرقم الذي احتكم إليه الفريق الوزاري سوى بمثابة سعر منصة “صيرفة”، الذي اختير على أنه الأقرب تمثيلاً لسعر الصرف الفعلي. لكن ما لبثت مقترحات الحكومة أن لاقت رفض تكتلات نيابية للسعر الجمركي، تحت شعار “رفض زيادة الرسوم الجمركية” و”رفع أسعار السلع بشكل كبير”، بما أدى إلى الطلب من وزارة المال وضع سيناريوات أخرى للقيام بتعديلات على سعر الصرف المقترح للدولار الجمركي.

وإذا كانت الحكومة ستتكبد مراحل إضافية لاحقة لتوحيد سعر الصرف، فإن الأضواء تسلّط راهناً على أهمية إقرار ثلاثة مشاريع قوانين أساسية متبقية، بما يشمل “الكابيتال كونترول” وقانون إعادة هيكلة المصارف وتعديل قانون السرية المصرفية. وكان مجلس النواب قد أصدر تعديلاً في قانون السرية المصرفية الذي شابته أوجه قصور أساسية، متمثّلة بعدم إعطاء صلاحية طلب رفع السرية المصرفية إلى هيئة الرقابة على المصارف، بما يجعل التعديل الذي أقرّه البرلمان غير متجانس مع القوانين الدولية. وكذلك، لم يعطِ التعديل المُقرّ الحقّ إلى مؤسسة ضمان الودائع التي يستوجب أن تكون صاحبة صلاحية أيضاً. واقتصرت الصلاحيات الممنوحة على وزارة المال واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد. ويعني ذلك انعكاس “الوتيرة البطيئة” على القوانين الأخرى أيضاً. ويعبّر مطلعون على الملاحظات المتبقية عن ضرورة أن يكون تعديل رفع السرية المصرفية أكثر شمولاً للفئات الوظيفية، بما يضمّ فئات متجانسة من الحسابات لا تستثني رؤساء المصالح والهيئات الرقابية والقضاة الذين ينظرون في المسائل المالية. ولا يغيب عن الصورة النقاش الذي لا يزال دائراً لبنانياً حول الهامش الزمني المتاح للعودة إلى الوراء في الكشف عن الحسابات. ويستمر النقاش القائم محلياً حول هذه النقطة. وبحسب المعطيات التي فهمها أعضاء الفريق الوزاري المكلّف متابعة خطة التعافي الاقتصادي، فإن صندوق النقد يريد أن يكون الرجوع إلى الوراء متجانساً مع ما يتطلّبه قانون المحاسبة بما يلزم المصارف والمؤسسات والشركات حفظ الحسابات في الأرشيف.

في الحصيلة، لا يزال المسار طويلاً للتوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد، في ظل البطء المستمر في إقرار “جوهر” مشاريع القوانين على تنوعها. ويعتبر مواكبون لإقرار الموازنة بصيغتها المنقحة أن “نصف الكوب الملآن” يتمثل على الأقل بإقرارها أولاً واعتبارها لمرحلة انتقالية تهدف إلى تأمين الاستقرار وعدم إمكان إغفال حجم الانهيار الذي وصلت إليه الدولة، مع بلوغ إيراداتها أقل من مليار دولار. وبالنسبة إلى حجم النفقات الذي كان يبلغ 12 ملياراً عام 2017، فإنه تحوّل أقلّ من مليار واحد حالياً بما يعطي فكرة حول تقلّص حجم الاقتصاد. وفي وقت ينتظر معرفة اتجاه مجلس النواب لناحية إمكان قبوله الملاحظات التي طلبها “الصندوق” على مشروع تعديل قانون السرية المصرفية من عدمه، تلفت المعطيات إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري قال أمام بعثة “الصندوق” التي كانت زارت لبنان قبل أيام إنه مستعد للأخذ بالتعديلات المطروحة. ويُنتَظر لبنانياً الانتقال إلى خطوة إقرار قانون “الكابيتال كونترول” وقانون إعادة هيكلة المصارف، للحديث عن الوصول إلى “نصف مسافة” للاتفاق مع صندوق النقد، علماً أن التأخر بات كبيراً وعمره قرابة 6 أشهر.

بواسطة
مجد بو مجاهد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى