أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

حتى لا تبقى الرئاسة رهينة الخلوّ والإبتزاز (نداء الوطن ١٩ نيسان)

ليس الخلوّ الرئاسيّ الحاضر والمتمادي منذ انتهاء ولاية الرئيس العماد ميشال عون في 31 تشرين الأول 2022 هو الخلوّ الأوّل في تاريخ الجمهورية اللبنانية، إذ سبق وشهدنا عجز البرلمان عن انتخاب خلف للرئيس العماد اميل لحود الذي انتهت ولايته منتصف ليل 24 تشرين الثاني 2007 وظلّت سدّة الرئاسة شاغرة لما يزيد على ستة أشهر إلى أن انعقد مؤتمر حوار للزعماء اللبنانيين في الدوحة عاصمة دولة قطر وانبثق منه تفاهم اشتمل على عدّة بنود بينها انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وهو ما حصل في 25 أيار 2008.

وتكرّر العجز ذاته آخر ولاية الرئيس العماد ميشال سليمان الذي انتهت ولايته ليل 24-25 أيار 2014 من دون تمكّن البرلمان من انتخاب خلف له على الرغم من انعقاد جلسة انتخابية في 23 نيسان 2014 عجز فيها أيٌّ من المرشحين عن نيل ثلثي أصوات مجلس النواب في دورة الاقتراع الأولى ورُفعت الجلسة قبل انعقاد دورة الاقتراع الثانية بسبب فقدان النصاب، وعَقَدَ المجلسُ من بعدِها 45 جلسة بلا جدوى إلى أن انتَخَبَ في الجلسة السادسة والأربعين بتاريخ 31-10-2016 العماد ميشال عون رئيساً للجمهوريّة. كما أنّه خلال فترة الحرب لَمْ يَتَمَكَّنْ مجلسُ النوّاب من انتخاب خلف للرئيس أمين الجميّل الذي انتهت ولايته ليل 22 أيلول 1988 واستمرّ الشغورُ في سُدّة الرئاسة إلى أن انعقدَ مؤتمرُ الوفاق الوطنيّ في الطائف وأعقبه انتخابُ النائب رينه معوض بتاريخ 5 تشرين الثاني 1989 رئيساً للجمهوريَّة قبل أن يستشهد بعد أسابيع.

ونجاح البرلمان في الانتخاب الرئاسي يستلزم تأمين النصاب الدستوري المعمول به وهو حضور ثلثي عدد الأعضاء الذين يتكون منهم البرلمان من جهة وتمكّن إحدى الشخصيات من نيل تأييد ثلثي المجلس النيابي في الدورة الأولى والأغلبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي من جهة ثانية، الأمر الذي يجعل الانتخابات الرئاسية اللبنانية في كلّ دورة انتخابية رئاسية رهن الظروف والتوازنات والمساومات والابتزاز ويبقي الموقع الأول في الدولة اللبنانية معرَّضاً للخلو في حال تأخر اكتمال العناصر التي تكفل تحقق الشرطين المطلوبين، علماً بأنَّه من غير الجائز الاتجاه إلى تخفيض النصاب الدستوري أو الأغلبية المطلوبة للفوز الرئاسي حتى لا يصبح الانتخاب رهينة إحدى الفئتين الدينيتين في البرلمان ويختلّ الميثاق وتتأذى صفة الرئيس كرمز لوحدة الوطن.

إصلاح انتخابي رئاسي

لذلك، ومع تأكيدي أنّه لا مفرّ من إجراء الانتخاب الرئاسي وفقاً للآلية الحالية المعمول بها والمنصوص عليها في الدستور في ما خصّ هذه الانتخابات بسبب استحالة تعديل الدستور في ظل الخلوّ الرئاسي، إلّا أنّني أكرّر اقتراحي بوجوب الانكباب خلال الولاية الرئاسية المقبلة على إجراء إصلاح انتخابي رئاسي جذري يمنع تعريض البلاد لمأزق الخلوّ الرئاسي تكراراً ومراراً من خلال جعل انتخاب رئيس الجمهوريّة مُباشراً من الشعب، مع حفظ المركز لأبناء الطائفة المارونيّة، على أن يُرهَنَ تَرشيحُ الراغب بخوض المُنافسة الانتخابية بتوقيع تأييد خمسين نائباً على الأَقلّ، مُوَزَّعينَ مُناصَفةً بين الفئتَيْن المسيحيّة والمُسلمة، وعلى ألّا يكونَ من حقّ النائب تَرشيح أكثر من اسمٍ وألَّا يَفوزَ المُرَشَّحُ بالتزكيَة ولا تُجرى عَمَليَّةُ الاقتراع العام، قبل أن يَكونَ تقدَّمَ مُرشَّحَان مدعومَان بعريضَة التأييدِ البرلمانيِّ للمُنَافَسَةِ.

وتَهدُفُ عريضةُ التأييدِ البرلمانيِّ إلى ضَمانِ رَصانةِ الترشيحِ على المستوى الوطنيِّ، من جهةٍ، وكفالةِ امتلاك المُرشّح حَيثيَّة تَمثيليّة جادّة لدى الناخبينَ المَسيحيينَ، تَحولُ دونَ احتمال أَن يأتيَ بدعم الناخبينَ المُسلمينَ فقط، في ظلّ الخَلَلِ الديمغرافيّ الواقع لمَصلحة المُسلمينَ، في حال افتَرضنا جَدَلاً ونَظريَّاً أَن يتكَتّلَ الناخبون المُسلمون دَعماً لمُرَشَّحٍ مُعَيَّن ويتكتّلَ الناخبون المسيحيّون رَفضاً له، على أن يكتمل الطابع الميثاقيّ للنظام مع إنشاء مجلس للشيوخ يُمثِّل الطوائف ويُنتَخبَ فيه الشيوخ من ناخبي طوائفهم.

ويقتضي أن نوضِحَ أنَّ اعتمادَ نظامِ الدورتينِ في الانتخابِ الرئاسيِّ في لبنانَ غيرُ ملائمٍ، سواءَ على أساسِ الاقتراعِ الوطنيِّ العامِ في الدورتين، حيث تخلو العمليَّةُ مِن الضماناتِ الميثاقيَّةِ وتثورُ الاحتمالاتُ (حتَّى ولو كانَت محدودةً وافتراضيَّةً) بفوزِ المرشَّحَيْنِ فاقِدَي الحدِّ الأدنى المقبولِ مِن التأييدِ المسيحيِّ، أو على أساسِ استباق دورة الاقتراع العام الوطنيّ بمرحلة تأهيليّة تُحصَرُ في نطاق الكتلة الناخبة المسيحية ويتأهَّلُ بنتيجتِها للمرحلة النهائيّة المرشّحان اللذان حلَّا في المرتبتين الأولى والثانية، لأنَّ حصرَ حقّ تأهيل المرشَّحينَ بالناخبينَ المسيحيينَ، يَتعارَضُ مَعَ مبدأ المساواة المنصوص عليه في مقدّمة الدستور والمادَّة السابعة منه، فضلاً عن أنَّه لا يَكفَلُ حيازةَ المُتأهِّلَيْنِ الإثنين على حَيثيَّةٍ مسيحيَّةٍ جادَّة، إذ مِن المُحتَمَلِ أن ينالَ المتأهِّلُ الأوَّلُ، في المرحلةِ التأهيليَّةِ، تأييدَ شبهِ إجماع مسيحيّ، في مقابل تأييد مسيحي هزيل للمتأهِّلِ الثاني، لتأتي المرحلةُ النهائيَّةُ وتجعَلَ من المتأهِّلِ الثاني فاقدِ التمثيلِ المسيحيِّ، رئيساً.

40% من التمثيل النيابي المسيحي

والواقعُ، أنَّ رَهنَ الترشيحِ الرئاسيِّ مُسبَقاً بتأييدِ خمسة وعشرين نائباً مسيحياً وخمسة وعشرين نائباً مسلماً، يَكفلُ حدَّاً أدنى مِن التأييدِ المسيحيِّ للمُرشَّحِ، يقارب الأربعين بالماية من التمثيلِ النيابيِّ المسيحيِّ في البرلمان، على الأقلّ، من جهةٍ، ويصونُ مبدأ المساواةِ بين اللبنانيين من جهةٍ ثانية، ويحصرُ الدورة الوحيدة من الاقتراع العام الوطنيّ في الانتخابات الرئاسيّة بمُرَشَّحَيْنِ اثنينِ، ما دامَ أنَّ النائبَ لا يَستطيعُ التوقيعَ على تأييدِ أكثر مِن مُرَشَّحٍ واحدٍ.

ومن شأنِ اعتمادِ الانتخابِ الرئاسيِّ المُباشرِ مِنَ الشعبِ جعلُ رئيسِ الجمهورية رمزاً لوحدةِ الوطن فعلياً، كما تَصِفُه المادَّةُ 49 مِنَ الدستور، وتطبيق الفقرة «د» مِن مُقَدِّمَةِ الدستورِ الَّتي تَنُصُّ على أنَّ «الشعبَ مصدرُ السلطاتِ»، حقيقةً، وتحويل اختيار رئيس الجمهورية إلى عملية انتخابية وديمقراطية جدية، لأنَّ اختيارَ الرئيسِ مِن جانبِ البرلمان، كما هو الواقعُ منذ ما قَبْلَ الاستقلالِ اللبنانيِّ لغايةِ اليوم، هو أشبهُ بعمليَّةِ تعيينٍ وأبعد ما يكون عن الانتخاب، وإخراج اختيار رئيس البلادِ من لعبةِ البازارات المحليّة والمساومات الإقليمية والصفقات الدولية ووضعها في رحاب الديموقراطية الحقة، فضلاً عن تحاشي معضلة عدم توافر النصاب وأغلبية الفوز، ناهيك عن إعطاء الرئيس المُنتَخَب من الشعب قوَّةً ومشروعيّةً تؤهِّلانه لأداء دوره في حماية الدستور.

ويبقى أن نذكرَ أنَّ انتخابَ الرئيسِ مُباشَرَةً مِنَ الشعبِ، لا يَقتَصِرُ على الأنظمةِ الرئاسيَّةِ، بل يشملُ أيضاً الأنظمةَ غيرَ الرئاسيَّةِ، بما فيها الأنظمة البرلمانيَّة والأنظمة شبه الرئاسيَّة (على الأخصّ)، مثل البرتغال وفرنسا، في حين أنّه يحصل من جانب البرلمان في الدول ذات النظام البرلماني المحض بصلاحيات بروتوكولية وفخرية ومحدودة جداً للرئيس، كما في إيطاليا وألمانيا واليونان والهند والعراق، علماً بأنّ النظام اللبنانيّ هو نظامٌ برلمانيٌّ، ولكنَّه مُطعَّمٌ بخصوصيّة لبنانية وبصلاحيّات رئاسية جادّة وإن تكن غير كافية، كون رئيسِ الجمهوريَّةِ في لبنانَ هو رئيس الدولة وأحد رأسَي السلطة التنفيذيّة وشريكاً في الحكمِ ولا يزالُ يملكُ اختصاصات أساسية، أبرزُها التوقيعُ على مرسومِ تأليفِ الحكومَةِ وردُّ القوانينِ وطلبُ إعادةِ النظرِ بقراراتِ مجلسِ الوزراء وترؤسُ جلساتِ مجلسِ الوزراء عندما يشاء وتوجيهُ رسائلَ إلى مجلسِ النوَّابِ والمفاوضةُ في عقدِ المعاهداتِ الدوليَّةِ، وإبرامُها بالاتِّفاقِ مَعَ رئيسِ الحكومَةِ، ومراجعةُ المجلسِ الدستوريِّ طعناً بالقوانين وعدم إمكان فرض المرسوم الرئاسي العادي بوجهه.

(*) محامٍ وأستاذ جامعي

بواسطة
د. عادل يمين
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى