الطبقة السياسية “تقامر” بثروة لبنان النفطية

أشار الخبير الدولي في شؤون الطاقة رودي بارودي إن المفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية تفشل تدريجياً باعتبار أن “كثرة الطباخين في لبنان ستحرق الملف والحقوق”، عدا عن إزاحة الجيش اللبناني حالياً عن المفاوضات التي كان مكلف بها.
وأضاف بارودي إلى أن هذه التغييرات كلها ستؤخر عمل لبنان في إنتاج النفط والغاز باعتبار أن شركات “توتال” الفرنسية و”نوفاتيك” الروسية و”إيني” الايطالية سيصبحون ملزمين بتأخير أعمال التنقيب عن النفط والغاز في بحر لبنان وخاصة في البلوكين 8 و9 المتنازع عليهما.
مع الإشارة إلى أن البلوك رقم 9 يدخل في منطقة متنازع عليها تصل مساحتها إلى 864 كيلومترا مربعا ويمتد بمحاذاة 3 بلوكات تقريباً، فيما يزعم الاحتلال أن البلوك 8 تابع له وتبلغ مساحته 1400 متر مربع. ويلفت بارودي إلى أن “كلام الرئيس عون سيعطي الضوء الأخضر للإسرائيليين للبدء بالعمل تحت خط 23 ما سيرخي بتداعيات كبيرة على لبنان في حال ظهور حقول غاز محتملة”.
ويضيف أن “لبنان والاحتلال الإسرائيلي وقبرص قاموا بالمسح الجيولوجي عامي 2001 و2002 لكن رأينا كيف أن الأخيرين استخرجوا واستخدموا الغاز، بينما لبنان هدر عشرين عاماً ولم يستغل ثرواته التي يحتاج إليها، ولا يزال يتخبط سياسياً، ويضيّع الوقت والمال والحقوق كما حرم سابقاً من خط الغاز العربي الذي كان باستطاعته حل أزمة الكهرباء في البلاد”.
ويرى بارودي أن الأخطر أن لا أحد يتطرق إلى الإحداثيات والخطين اللذين اعتمدا لبنانياً في العام 2010 من أجل بدء الترسيم، 64 متراً في البحر بدءاً من رأس الناقورة، واسرائيلياً في سنة 2011 باعتماده 35 متراً في البحر، فيما عليهما اعتماد خط الناقورة البري الفاصل بينهما، وبالتالي هما مجبران على تحديد خطوط جديدة.
ويستغرب بارودي في المقابل تخلي لبنان عن حقه الذي تكفله له الاجتهادات الدولية وتجعل منه بموقع قوي في التفاوض، باعتبار أن القرارات الدولية لا تقيم وزناً للجزر الصغيرة والصخور، وهو ما يعطي لبنان مساحة إضافية في البحر أكبر من 860 كلم2 هي أصلاً له.
من جهتها، تشدد الخبيرة في مجال حوكمة النفط والغاز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتيان على أن حصر التفاوض بـ860 كيلومتراً مربعاً لا يصب أبداً في مصلحة لبنان.
وتقول “قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2020، صرحت شركة توتال بأنها ستبدأ بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية ولا مشكلة لديها في ترسيم الحدود باعتبار أن اعمالها ستكون خارج المنطقة المتنازع عليها، وقررت تبعاً لذلك الحفر أولاً في البلوك رقم 4 ونزلت حوالي 4 آلاف متر، بيد أنها لم تجد شيئاً في المكمن الذي كانت تبحث فيه”.
وتضيف “أرجئت عمليات الاستكشاف والعمل في البلوك رقم 9 لأسباب عدة، منها جائحة كورونا والوضع الاقتصادي في لبنان وعوامل أخرى خارجية، على أن يبدأوا في أغسطس/آب 2022، ولاحقاً سمعنا وزير الطاقة وليد فياض يوم ذهب إلى فرنسا يقول غامزاً من قناة شركة توتال، إنها أبدت مخاوف من العمل لأسباب أمنية، أي أنها ربطت رسمياً للمرة الأولى ترسيم الحدود بالبلوك رقم 9”.
وبالتالي تقول هايتيان “حصل ضغط إذاً، والشركة الفرنسية لن تعمل قبل وضوح الرؤية بما خص الترسيم وتحتاج إلى ضمانات، وقبل تصريح وزير الطاقة لم تكن هناك معادلة لا ترسيم ولا تطوير الحدود”.
وتردف “أما ما يحكى ويربط بقول الأميركيين بضرورة الاستعجال بالحل باعتبار أن لبنان الوحيد بين دول المنطقة الذي لم يقم بالاستكشاف وتطوير حقوله، وأن التأخر قد يفقد البلد الاستفادة من موارده ويضع مخاطر كبيرة على الغاز العائد له… فهو في غير مكانه”.
وتشرح أن “الاستفادة ستكون طويلة المدى، وللدخول إلى السوق ربطاً بالعقود التي ستوقعها توتال مع المستهلك وتكون لعشرين عاماً حتى أن الحكومة اللبنانية قالت إننا نحتاج من 7 إلى 10 سنوات لتطوير الحقول المكتشفة”.
وتشير في المقابل إلى أن لبنان يستخدم التطلعات الإيجابية للحصول على تمويل من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي والجهات المانحة، ويوجه رسالة للدائنين بأنه قادر على تسديد ديونه لكونه يمتلك الغاز والنفط، وهذا أسوأ ما يمكن التعويل عليه وقد وقعت بلدان كثيرة بالفخ إذ قامت بالاستدانة وعجزت عن الإيفاء بالتزاماتها.
وتؤكد أن الغاز والنفط لن يكونا منقذين لاقتصادنا الذي يحتاج إلى خطوات سريعة لا إلى “كسب” لن يبدأ قبل عام 2030 و2040 وأكثر، من هنا المطلوب القيام بالإصلاحات وخصوصاً على صعيد قطاع الكهرباء.
في سياق ثان، تقول هايتيان إن اعتراف لبنان بالخط 23 على الرغم من قوة موقفه الذي فاوض على أساسه أي خط 29، وتأكيد عون عدم التوقيع على تعديل المرسوم، حققا ما كان يريد الإسرائيلي والأميركي سماعه وسيمهدان طريق الوسيط هوكستين لتقديم تفاصيل أكثر عن مقترحاته.
وتضيف هايتيان أن تصريح عون أراح الجانب الإسرائيلي وتحديداً عمل شركة “إنرجين” بعدما توقف لبنان عن المطالبة بحقل كاريش، ولا نستغرب تبعاً لذلك أن تبدأ سفينة FPSO بالإبحار من سنغافورة لبدء مهمتها باستخراج الغاز من حقل كاريش ولا سيما أن “حزب الله” أعلن أنه يقف وراء الدولة في هذا الملف، بحيث لم يعد لديه حجة القيام بأي عمل عسكري على المحطة العائمة، وبالتالي ستكون الشركة موجودة خلال 35 يوماً في حقل كاريش، وفي هذا الوقت يكون هوكستين بدأ بإعطاء تفاصيل عن الحل الذي يطرحه.
وتلفت إلى أن “من مقترحات الوسيط الأميركي التفاوض بين الخطين 1 و23، وهو ما قبلنا به رسمياً بعد تصريح عون، وتوزيع الحقول من دون المشاركة في الإنتاج يعني أن يأخذ لبنان حقل قانا كله”.
وتردف “إن المبادلة بين حقل كاريش وحقل قانا لا يمكن أن تحصل الآن، فتوزيع الحقول أصبح يصب في 860 كيلومترا مربعا، وهنا يجب أن تقوم شركة بإجراء مسح جيولوجي على هذه المساحة وتحدد الحقول المحتملة، وعندها يمكن الحديث عن مبادلة”.



