عندما ينهار الهيكل (الديار ٩ تموز)

قبل سبعة قرون تنبأ إبن خلدون بسقوط الدول إذ تكلم عن مسيرة هذه الدول منذ ولادتها الى شيخوختها.
اعتبر إبن خلدون أن الدولة تمر بعدة تطورات على اصعدة عديدة بدءا» بالسياسة والإقتصاد، مرورا» بالنمو والعمران وصولا الى القوة والعظمة والهيمنة ومن بعدها الهبوط ثم الافول.
إنطلاقا» من هذه النظرية المنطقية بنظري اسأل:
هل أن الإنهيار الذي نعيش والخراب الحاصل هما مرحلة طبيعية في حياة الدول؟ أم أن الذي قاله إبن خلدون عن قيام الدول وزوالها مجرد رأي عابر ونظرية على الورق ؟
يستوجب الإنهيار الحاصل، النظر ببنية الهيكل الذي نعيش في كنفه، بل اكثر من ذلك ، يجب إعادة النظر بكل المفاهيم والأعراف والميثاقيات التي قام على أساسها الكيان اللبناني. ومثالا» على ذلك دستور الطائف ذالك الدستور العجيب الغريب الذي من المفترض أن يسير أمور البلاد وشؤون العباد ، تراه حجر عثرة في وجه الاتفاق على ابسط الأمور وبالتالي هو معرقل لكل تفاصيل مسيرة الدولة. هذا الدستور وصفته في مقال لي منذ سنة تقريبا» بأنه أصبح خارج الخدمة ، دستور انتهت صلاحيته! بل بات من اسباب الانهيار الذي نعيش.
هنا اسأل:
هل أن هذا الإنهيار حالة طبيعية في نشوء وإندثار الدول؟
هل نحن من ساهم في تسريع هذا الإنهيار؟
من هو المسؤول المباشر عن كل مل يحصل؟
هل يمكن ترميم الدمار والخراب الناتجين عن هذا الإنهيار؟
كيف لدولة فقدت كل شيء إعادة بناء هيكلها؟
وهل من الممكن إعادة البناء بذات العدة والأشخاص؟
كلنا يدرك مخاطر هذا الإنهيار، ليس على المستوى الإقتصادي والمالي فقط بل على المستوى الأخلاقي ، وهذا ما يخيفني اكثر، لما لهذا الإنهيار من تأثير مباشر على بنية العائلة والمجتمع.
الكل يعي ترددات هذا الإنهيار على كافة المستويات فبأنهيار الهيكل تنهار القيم في العائلة والمجتمع والوطن.
عندما ينهار الهيكل، الصورة تتبدل في أذهان الناس، فصورة الأب والأم تهتز، كذلك صورة المربي وصورة رجل الدين ورجل الأمن.
نعم ، عند إنهيار الهيكل، تسقط الهيبة وتسود الرعونة ويخفت الإحترام وتزداد الإهانة. الرصانة تزول فتزداد الغباوة ويكثر اللهو ويهيمن الذل والرضوخ…
إذا نظرنا في مجتمعنا إلى الناتج الثقافي إن كان في الموسيقى والأدب والشعر والمسرح والبرامج التلفزيونية والإذاعية، تكاد لا ترى او تسمع شيئا من الثقافة، حتى أن الذي يحاول اختراق حائط الجهل هذا، يعمل بخجل وبدون حوافز ولا « rate» له.
للأسف، نحن نعيش زمن الـ» rate» العالي. فكلما ازدادت المشاهد الجنسية وكثرت التعابير السافلة، ازداد الـ « rate»!!!!
كلما كثرت الفضائح والمواضيع الفارغة والتافهة، كلما علا مردود المؤسسة الإعلامية. والعكس صحيح.
وهذه هي دوامة الجهل!!!!
نعم، كلما كان المحاور سفيهاً وجريئاً بدون ضوابط لفظية، كلما كان مشاهداً اكثر من غيره، فأغلبية البرامج التلفزيونية باتت ملئ بالإفتراءات وقلب الحقائق والكلام الشعبوي الفارغ. ففي اغلبية الـ talk show، التلفيق والكذب والتهريج هم أسياد الموقف.
كل هذه العلامات تؤكد الإنهيار الحاصل في بنية المجتمع. هذا المجتمع الفاقد للحدود ذابت فيه مقاييس الحرية في الانفلاش التكنولوجي وتوسع social media وبالتالي زاد الانفلات الأخلاقي، فأصبح كل جاهل فيلسوفاً وراء شاشته وكل عاطل عن العمل عاطلا في أخلاقه وشتاما خلف اسمه الوهمي.
عند إنهيار الهيكل، تفقد المجتمعات قيمها فتتبدل الأولويات ، فبدلاً من أن يكون همك القراءة والكتابة والبحث العلمي، تراك منهمكا في تأمين أدنى الحاجيات اليومية، وهذه هي أبشع المواقف!!
نعم الزمن تبدل والمعايير انقلبت « رأسا على عقب قلت يوما». أنه لابد من صدمة سلبية او ايجابية تعيد لنا صوابنا وتصوب لنا البوصلة من جديد، فكانت جائحة كورونا فرصة لنتعلم درساً مهما في الحياة نستعيد من خلالها اصالتنا وجذورنا.
ولكن للأسف لم نتعظ ولم نتعلم شيئا !!!
حتى الأزمة الإجتماعية والمعيشية التي نعيش، بدلا من أن تخلق فينا تعاضداً وتكافلاً إجتماعياً، زادتنا جشعاً اكثر واكثر. هذا هو صراع البقاء عند إنهيار البناء.!!
للأسف عند إنهيار الهيكل، المشاعر تتغير وردات فعلنا تكون غير منطقية فالتواصل الإجتماعي الحقيقي يصبح صعباً ومتعباً. المجتمع يصبح مجتمعات بل قبائل تتناتش فتات الفتات المتبقي على موائد أمراء الحرب ، أسياد هذا الزمن الرديء.
زمن الإنهيار مختلف ، فكيفما جلت وتحدثت مع الناس تسمع إمتعاضاً، فالكل «قرفان» وعنده حنين الى زمن مضى يسميه « الزمن الجميل».
لا ادري ان كان بالفعل جميلا أو لا، فكل له زمنه الجميل. بالنسبة لي احاول أن أعود الى الوراء لأبحث عنه ، متى كان جميلا؟ وهل من فترات ذهبية في تاريخنا؟ للأسف تاريخنا مليء بالخيبات والهزائم والحروب والتناحر الداخلي. والأسوأ من ذلك احتفالاتنا بهزائمنا المتكررة وتمجيدها.
اردت ان ابحث في «دفاتر جدي العتيقة» وفي أشيائي المنسية علني أجد راحة افتقدتها منذ زمن، فوجدت فتات ذكريات مرمية على حافة النسيان تغمرها اشواك هموم الحياة وتكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة.
فلا الذكريات الجميلة بقيت جميلة ولا طعم الحنين بقي طيباً ولا صور الماضي البريء بقيت بريئة فكل الذكريات الجميلة غارت في غياهب النسيان. الخراب طال ماضينا ويطال حاضرنا وسيطال مستقبلنا ان لم نتداركه.
عند إنهيار الهيكل، ينهار كل شيء جميل، الالوان تبهت والألحان والنغمات تسقط والكلمات تهزل، حتى الورود تذبل!
الأصوات الجميلة تخفت ويعم النشاذ في كل مكان.
في بلادي الحلوة أنهار الهيكل فأصبحت بلادي بشعة لأن اللص اصبح حاكماً والقاتل مسؤولا والسفيه على المنابر متكلما وبالثقافة ناطقا ، الفاسد الفاسق النتن تراه بالعفة محاضرا وبالشفافية مبشرا وبقطع يد السارق مهددا. في بلادي الحلوة التي أصبحت بشعة كل المرتشين يملؤون الشاشات يحاورون الراشين ويبيضون صفحاتهم السوداء والحمراء ويسوقون لهم ولأفكارهم ولأعمالهم.
في الختام اطلب من الرب الديان أن يتلطف بنا يوم الحساب لأننا لم نكن امينين على القليل واخطأنا بحق الله والوطن.
يا رب أعد إلينا الوقار والخشوع لنمجدك على الدوام، أعد إلينا الإعتبار والرصانة لننطلق في بناء الوطن، أعد إلينا الشهامة والكرامة لنعيش سويا أبناء لك.
نعم يا رب نحن بحاجة إليك اليوم قبل الغد كي نعيد بناء الهيكل كما تشاء انت.



