منافع إقتصادية وإنمائية جمة لتطبيقات اللامركزية الموسعة (نداء الوطن 10 كانون الثاني)

ينحرف النقاش الاقتصادي في لبنان، كما تنحرف معظم النقاشات الاخرى لتتوه في مفاوز الطائفية، او توظف بخبث خدمةً لأهواء تسلط هذا الزعيم او ذاك صاحب حق الفيتو في أي قضية يريد تقويض و/او تفخيخ النقاش فيها، وليضرب الجميع رؤوسهم في حيطان فراغ السلطة وانهيار الادارة اذا تطلب الأمر ذلك، نزولاً عند رغبته الغريزية الطائفية المخيفة القائمة على “يا قاتل يا مقتول”. انه الزعيم غير العابئ بعلمية النقاش وموضوعيته، طالما هو قادر على قيادة قطعان تلحقه حتى لو ذهب بها الى قاعات الفقر والذل والحرمان كما هو حاصل الآن.
نص اتفاق الطائف على “اللامركزية” التي لم تطبق بعد، مثلها مثل بنود كثيرة في ذلك الاتفاق التاريخي الذي انهى الحرب الأهلية، لكنه لم ينه الانقسامات الأفقية والعمودية بين اطياف الموقعين عليه.
لغايات التهويل والحرب النفسية، يلوح رافضو تطبيق اللامركزية بالسلاح غير الأبيض، ويستحضرون “فزاعات” الفدرالية والتقسيم، كما لو انهم تحولوا فجأة دعاة وحدة وطنية مزعومة، وهم عملياً براء من أي فكر وحدوي حقيقي في نظام قائم على التوزيع وفق السطوة. كلامهم المغطى بقشرة وهْم حق يراد به باطل احياناً. فمنهم من ترتعد فرائصه وتنتفخ أوداجه رافضاً بقوة الحديث على اللامركزية المالية. يريد الاحتفاظ لنفسه بالقرار المالي ضمن توازن صلاحيات طائفية هو الأحرص على ديمومتها، وإلا يخرج من قبعته أرنب بند الغاء الطائفية السياسية، “وتعا لمها اذا فيك”!
تفتح “نداء الوطن” هذا النقاش بجملة آراء تلقي الضوء حصراً على المنافع الاقتصادية للامركزية الادارية والمالية الموسعة، من دون الخوض كثيراً في الأبعاد السياسية والطائفية المتصلة.
وفي سياق استطلاع الرأي تبين غالباً ان النقطة الخلافية الجوهرية تكمن في اللامركزية المالية. “هنا قف حاجز!”.
ويضربون، كرمى لحصرية القرار ومركزيته، بمبادئ الانماء المتوازن، وتنمية المناطق التي يريدون لها البقاء تابعة كلياً لهم ولمكرماتهم. يتفضلون عليها بفتات مقابل اصوات كاملة غير منقوصة لزوم المحدلة الانتخابية. لكن قبل الذهاب بعيداً في طرح اللامركزية المالية، يتعين السؤال عن الجباية المركزية الفاشلة جزئياً امام التهرب الضريبي وأمام الاقتصاد الأسود غير المصرح عنه. وما تجبيه “المالية” من الملتزمين بالدولة تريد عصمته في يدها لتنفق حيث لها مصلحة مناطقياً وحصة مركزياً.
الى ذلك، يخاف معارضو اللامركزية من التنافس الحميد بين المناطق. وهم العارفون ضمناً ان هناك مناطق مزدهرة اكثر من اخرى. وباسم الوحدة المركزية يغطون كسل المتقاعس باجتهاد المنتج، بدلاً من خلق حلقات دينامية تصعد بالاثنين معاً في فضاءات التنمية وزيادة الانتاج.
وعندما تواجههم بدول لا لبس في مركزية النظام فيها، رغم اعتمادها اللامركزية الادارية والمالية الموسعة، يبتسمون بدهاء كما لو انهم وجدوا قاعدة ارخميدس لتوهم قائلين: “نحن في بلد منقسم طائفياً، ولا يصلح عندنا ما يصلح عند غيرنا”! ويعتقدون بوهم الافحام ان النقاش قد حسم من دون تقديم بديل واحد يعالج تلك الانقسامات التي يخوفون الناس بها على الدوام ويتربعون على عروشها حتى آخر رمق من حياتهم ومن مناعة هذا الوطن المريض.



