«ناشونال إنتريست» عن مرفأ بيروت: كهف علي بابا ومعقل للفساد والسوق السوداء
لا شك أن ما شهدته بيروت، الثلاثاء 4 اب الماضي، كان من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ. فنترات الأمونيوم سبب الانفجار، والتي تستخدم كعبوات ناسفة رخيصة كانت سلاح الجيش الجمهوري الآيرلندي على نطاق واسع في حربه في آيرلندا الشمالية.
كما كانت نترات الأمونيوم السلاح المختار لتيموثي ماك فاي في هجومه الإرهابي عام 1995 ضد مبنى ألفريد مورا الفيدرالي في مدينة أوكلاهاما سيتي. ومع ذلك، فإن شاحنة ماك فاي المفخخة كانت تحمل طنين فقط من هذه النترات، بينما كان مستودع بيروت الذي انفجر يحوي حوالي 3 آلاف طن منها.
وذكرت مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية في تقرير لها، أن الانفجار أكثر مأساوية لأنه كان متوقعاً من جانب مسؤولي المرفأ مراراً وتكراراً. ففي كانون الثاني الماضي، كتب مسؤولو الجمارك اللبنانية إلى الهيئة القضائية المسؤولة رسالة، طلبوا فيها أمراً من المحكمة بالتخلص من نترات الأمونيوم، ومحذرين من أنها إذا بقيت في مكانها يمكن «أن تنسف بيروت كلها»، وكانت هذه هي الرسالة الأحدث والأكثر إلحاحاً في سلسلة من الرسائل التي لم تلقَ رداً منذ عام 2014.
وقبل تدمير المرفأ يوم الثلاثاء 4 اب، كان السكان المحليون يصفونه بــ«كهف علي بابا والأربعين حرامي»، في إشارة إلى الفساد واسع النطاق: التهرب من الضرائب، والتهريب، ومبيعات السوق السوداء، التي كانت تتم فيه.
ووصف وزير الأشغال العامة والنقل السابق غازي العريضي شبكة معقدة للتهريب في المرفأ، تعتمد على كثير من الوسطاء والرشاوى على كل مستويات عملها. وقال العريضي إن هذا كان يكلف المرفأ حوالي مليار دولار من إيرادات الرسوم كل عام.
ويعد سوء إدارة المرفأ صورة مصغرة للطبقة السياسية اللبنانية الأوسع نطاقاً، المقسمة على أساس الطوائف الدينية والرعاة الأجانب، حيث الميول تجاه الغرب أو تجاه سوريا، لكن تبدو هذه الطبقة متحدة في قبولها الضمني للوضع القائم الذي يزداد سوءاً وتجاهلاً لرفاهية اللبنانيين العاديين. ودفعت المناورات السياسية الحكومة إلى التحول من موالاة دمشق إلى موالاة واشنطن والعودة مرة أخرى، لكنها ظلت غير فعالة على الدوام.
وبعيداً عن نظريات المؤامرة، من المحتمل أن يسفر التحقيق المنتظر عن قرار بأن الانفجار كان حادثاً وليس تفجيراً، وهو ما سيزيد من صعوبة إلقاء لوم التسبب في المأساة على أي طرف. ومن المفارقة، أنه من المحتمل أن يحقق هذا الكثير بالنسبة لعدم تكرار مثل هذا الحادث.
فأي انفجار يقوم به إرهابيون يمكن بسهولة إلقاء اللوم على الإرهابيين. وبالنسبة لأي انفجار يكون سببه الفساد وعدم الكفاءة يجب إلقاء اللوم على مصدر ذلك الفساد وعدم الكفاءة. فلم يقم أي فصيل معين داخل الطبقة الحاكمة بتدمير بيروت، ولكن الطبقة الحاكمة ككل هي التي دمرت بيروت، وهم يقومون بتدميرها ببطء طوال العقد الماضي.
إن غضب ما بعد الانفجار الذي يشهده لبنان الآن سوف يجعل من الممكن تحقيق تغييرات ملموسة وممنهجة من ذلك النوع الذي يحتاجه لبنان طوال تاريخه.



