بعبدا تريد تشكيلة متوازنة… “لا ترفضها الملائكة” (النهار 21 أيلول)

على رغم منسوب التفاؤل الذي يتحدث عنه اكثر من فريق حيال اقتراب موعد تأليف الحكومة وصدور مراسيمها المنتظرة بعد طول تأخير وترجمة الكلام الذي اعلنه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في هذا الصدد، لا تبدو بعبدا في هذا المناخ وإنْ كانت لا تريد الاطاحة به او تبديده في مواقف اعلامية مسبقة بعدما سادت في الايام الاخيرة كل هذه الطمأنينة الحكومية الى حين انتظار عودة ميقاتي من دورة اعمال الامم المتحدة في نيويورك. وكانت الدوائر المعنية في رئاسة الجمهورية تفضل ان تتلقى من ميقاتي التشكيلة الجديدة قبل توجهه الى الخارج وخسارة كل هذه الايام من الوقت الضائع.
وعن تراجع الرئيس ميشال عون عن مطالبته بستة وزراء دولة، فهو لا يزال في مجالسه يدافع عن هذا الطرح بعد رفضه من مختلف الافرقاء، وان توزير هؤلاء الستة لا ينبع، بحسب بعبدا، من باب تثبيت رأي رئيس الجمهورية بل من زاوية احترام نتائج الانتخابات النيابية وما أفرزته مع عدم تجاوز التوازنات الجديدة في الندوة البرلمانية. وبالنسبة الى دوائر العونيين لم يتم بعد “تقريش” الكلام الاخير لميقاتي في بعبدا مع تذكيرهم بألا تكون التوليفة المنتظرة على شكل نسخته الاولى “التي ترفضها الملائكة ايضا”، وان عون في النهاية منفتح ويريد تأليف حكومة للرد على مناوئيه الذين يتهمونه بأنه يسعى الى حصول فراغ في الرئاسة الاولى وليحل الطوفان في البلد. ولذلك يتوقف من يدور في فلك العونيين عند اصرار ميقاتي “المتأخر” على التوجه الى تشكيل حكومة مع التدقيق في ما اذا كان هذا هو خياره الحقيقي ام نتيجة ضغوط تلقاها من قيادة “حزب الله” اجبرته على سلوك هذا الخيار الجديد. ويفوت بعبدا هنا ان تأليف الحكومة يعفيها من اللجوء الى أي “دعسة دستورية” ناقصة عند انتهاء ولاية الرئيس في اليوم الاخير من تشرين الاول المقبل.
ولا تحبذ بعبدا هنا التعليق على استبدال اي اسم بآخر قبل الاطلاع على التشكيلة المنتظرة، واذا تُرجمت النيات في الامكان تجاوز كل الامور العالقة بين الرئيسين عون وميقاتي في جلسة واحدة وحقيقية والخروج من فضاء الكلام الى حيز التنفيذ، ولا سيما في ظل تسليم اكثر الكتل بأن الانتخابات الرئاسية لن تحصل ضمن المهلة الدستورية وكأن ثمة استحالة في حضور 86 نائباً الى جلسة الانتخاب التي لا يظهر الى الآن ان ظروف انعقادها مؤاتية. وفي اتصال مع النائب الان عون فهو لا يخفي المناخات الايجابية التي من المرجح ان تؤدي الى صدور مرسوم تأليف الحكومة على ان تحافظ على توازنات حكومة تصريف الاعمال من دون زيادة او نقصان. ويقول لـ”النهار” إن تكتل “لبنان القوي” سيمنحها الثقة بمجرد ان تنال قبول رئيس الجمهورية وتوقيعه مراسيم تأليفها.
وفي تفاصيل ما يدور من مخارج لتشكيل الحكومة، بات مؤكدا استبدال وزير المهجرين عصام شرف الدين بوجه درزي آخر للاسباب المعروفة بعد خسارة طلال ارسلان مقعده النيابي. ولم يحسم الى الآن مصير وزير الاقتصاد أمين سلام – المفتون بمناداته على الشاشات بلقب دولة الرئيس – وما اذا كان سيبقى في الوزارة ام يتم استبداله بإسم آخر مع سعي ميقاتي الى ان يكون من عكار لكسب ود نواب هذه الدائرة وحصول الحكومة على ثقتهم، على ان يترك لعون تسمية هذا الاسم. ومن ملاحظات ميقاتي رغم تحسن علاقاته مع سلام في الآونة الاخيرة، تقول اوساط في السرايا إنه لم يكن وشرف الدين على تنسيق مع رئيس الحكومة في عدد من القرارات التي اتخذها الاثنان. ومارس وزير الطاقة وليد فياض الاسلوب نفسه في بعض المرات مع التذكير بأن حقيبتي الاقتصاد والطاقة تقعان في صلب اهتمامات المفاوضات المفتوحة مع صندوق النقد الدولي. ويجري في بعض الدوائر ربط تغيير سلام باستبدال نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي لتكون نيابة رئاسة الحكومة التي يشغلها ارثوذكسي من نصيب رئيس الجمهورية،
مع الاشارة الى ان الشامي يقوم بالواجبات المطلوبة منه من دون اي ضجيج اعلامي او خلق اي مشكلة بين عون وميقاتي وتربطه علاقات جيدة مع مختلف الاطراف والكتل النيابية التي يناقش معها خطة التعافي الاقتصادي. وثمة من يحذر من استبداله في هذا التوقيت لأنه يشكل بعد ميقاتي مفتاح الحكومة المالي والاقتصادي بعد رئيسها. ولم يعرف بعد توجه العونيين حيال الحديث عن استبدال اسم مسيحي من دون حسم هويته ليشكل لهم رأس حربة في الحكومة الجديدة، مع مفارقة هنا هي ان النائب جبران باسيل لطالما اعلن براءته من الدم السياسي من الوزراء المحسوبين على فريقهم وفي مقدمهم فياض. وعند التلويح بحصول تغييرات في صفوف الحكومة سرعان ما يحضر اسم وزير المال يوسف الخليل الذي يجمع الكثيرون على آدميته وادارته لوزارته بفريق لا يتجاوز عدد اصابع اليد وسط كل هذه الموجة من الاضرابات والضغوط، لكن ثبت ان الحنكة السياسية تنقصه مثل اكثر الوزراء التكنوقراط في الاضاءة على ملفات وزارته ومعايناتها بطريقة افضل مع عدم قدرته على الاطلالة على وسائل الاعلام، وهو لم يخفِ شكواه من جملة مضايقات اعترضته منذ اليوم لتسلمه حقيبته.
وبعد كل هذا الضجيج عن عودة الحرارة الى العلاقة بين عون وميقاتي وامكان توافقهما على نسخة حكومية جديدة، فلماذا لم يتوصلا اليها طوال كل هذه الاسابيع من مرارة سياسة المناكفات وتكبير الرؤوس ما دام التبديل الوزاري لن يشمل اكثر من ثلاثة او أربعة وزراء؟


