أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

النازحون يدخلون ملف البازار الانتخابي أيضاً؟ (النهار 6 أيار)

كتبت سابين عويس في” النهار”:

لم يكن غريباً على الاوساط السياسية المراقبة ان تعمد الدولة الى إثارة ملف النازحين السوريين من بابه العريض على خلفية الحادث المأسوي الذي أصاب طرابلس بفعل غرق مركب وسقوط ضحايا بنتيجته منهم من العائلات السورية النازحة، علماً أن هذا الملف وعلى اهميته، لا يشكل في المرحلة الراهنة اولوية ملحة في ظل الازمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية المتفجرة في البلاد، ما يجعل التساؤل في الأوساط المحلية كما الدولية المعنية بهذا الملف مبرراً حول التوقيت والاهداف.

كان واضحاً من المواقف الصادرة عن مسؤولين لبنانيين في الايام القليلة الماضية وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ان الحكومة عمدت الى رفع هذا الملف الى مستوى متقدم، من خلال التلويح بعجزها عن الاستمرار في تأمين المساعدات للنازحين فيما اللبنانيون غارقون في ازماتهم. وقد تجلى هذا الموقف أولاً في موقف حاد للرئيس اتهم فيه دولاً اجنبية بمساهمتها في ابقاء النازحين في لبنان من خلال تأمين المال لهم في مكان وجودهم بدلاً من من ان يكون ذلك بعد عودتهم الى بلادهم، بذريعة انتظار حل سياسي في سوريا (..). وكان كلام عون شرارة لانطلاق سلسلة من المواقف الوزارية ولا سيما لوزيري العمل مصطفى بيرم والشؤون الاجتماعية هكتور حجار غداة الاجتماع الوزاري الذي ترأسه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي للبحث في هذا الموضوع، وهو سبق اجتماع المجلس الاعلى للدفاع الذي تناول هذا الملف، من باب الممارسات الامنية غير المقبولة للنازحين، الامر الذي دفع وزير العمل مصطفى بيرم الى القول بأن لبنان لم يعد قادراً على ان يكون شرطياً لدول اخرى، سيما وانه لا يتلقى اي مساعدة في هذا المجال، ولبنان متروك لوحده، ويتلقى الحمل وحده.

وترافق الموقف الحكومي مع تحرك رسمي قاده رئيس الجمهورية ميشال عون مع المنسقة الخاصة للامم المتحدة يوانا فرونيسكا، حيث دعا المنظمة الاممية الى تقديم المساعدة من اجل تأمين عودة هؤلاء الى بلادهم، فيما كُلف وزير الشؤون الاجتماعية التواصل مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لابلاغها الموقف اللبناني الرسمي في هذا الشأن. وبالفعل، لم يتأخر حجار في دعوة ممثّل مكتب المفوضيّة أياكي إيتو الى اجتماع سلمه فيه الموقف الرسميّ للحكومة بعد إجتماع اللجنة الوزاريّة المكلّفة بحث الموضوع، مؤكداً وفق ما صرح به أن الدولة ملتزمة بمبدأ عدم الإعادة القسريّة للنازحين، ولكن الوضع لم يعد يُحتَمَل ولم تعد الدولة اللبنانية قادرة على تحمّل كلفة ضبط الأمن في مخيّمات النازحين والمناطق التي ينتشرون فيها، ولا أن تحمل وزر هذا الملفّ من أجل مصلحة دولٍ أخرى. فلطالما تلقّت الدولة اللبنانية مساعدات أقل من الحاجات التي يصُرّحَ عنها سنوياً، على الرغم من أن 35 في المئة من السكّان هم من النازحين واللاجئين. وبحسب التقاريرير فإن 82 في المئة من اللبنانيين يعانون من فقرٍ متعدّد الأبعاد. وكشف حجار ان الدولة تلقت خلال العام الماضي مساعدات بقيمة 1.69 مليار دولار من أصل ملياريّ دولار. وتكبّدت خسائر كبيرة على مدى سنوات، جرّاء إستفادة النازحين من دعم الدولة لسلعٍ أساسية كالدواء والخبز والمحروقات بالإضافة إلى إكتظاظ السجون والأعباء المترتّبة عنه، فضلاً عن التفلّت الأمني ومنافسة اليد العاملة اللبنانية ومسؤوليّة ضبط الحدود لمكافحة الهجرة غير الشرعيّة.

وفي حين كان ينتظر ان يطرح الموضوع خلال جلسة مجلس الوزراء أمس، كما كان مقرراً، من باب مواكبة نتائج الاتصالات مع الجهات الدولية، ترأس رئيس الجمهورية في قصر بعبدا اجتماعاً على مستوى وزاري ودبلوماسي لوضع خطة التحرك الواجب اتباعها، فضلاً عن التحضير لمشاركة لبنان في مؤتمر بروكسيل بعد ايام قليلة. وأعلن وزير الخارجية على الأثر ان الموقف اللبناني في المؤتمر سيكون بناء لتوجيهات رئيس الجمهورية، بأن لبنان لم يعد باستطاعته تحمل النزوح السوري على اراضيه، وهو لا يريد ان يساعدوا النازحين فيه، او ان يساعدوه هو، فنحن نهتم بانفسنا اذا عاد النازحون السوريون الى بلادهم”، مشدداً على “اننا سنطبق قرار مجلس الوزراء الذي اتخذ في حكومة الرئيس حسان دياب في هذا السياق، ونريد ان نتعاون مع الأمم المتحدة الا انه يجب ان نأخذ في الاعتبار مصلحتنا لا ان يملوا هم علينا مصلحتنا فنحن نعرفها”.

وبدا من اجتماع بعبدا وغياب الملف عن طاولة مجلس الوزراء، حرص العهد ان يبرز اهتماماً بهذا الملف، والسعي الى وضعه في إطار إنجازات يسجلها على أبواب الانتخابات وعلى مسافة أشهر من نهاية الولاية الرئاسية.

وفي حين تزامن طرح هذا الملف على المجلس الاعلى مع طرح البند الاساسي على جدول اعماله والمتعلق ب#الانتخابات النيابية والتحضيرات اللوجستية لها، طُرح التساؤل عن التوقيت المريب لفتح ملف النازحين، على مسافة اسبوعين من موعد الاستحقاق النيابي الذي يفترض ان ينبثق عنه برلمان وحكومة جديدين تقع على عاتقهما مسؤولية اتخاذ القرارات واصدار التشريعات المطلوبة لحماية اللبنانيين من تداعيات النزوح على الداخل اللبناني وعلى سوق العمل وعلى البنى التحتية والخدماتية التي يتم استنزافها بفعل زيادة حجم الاستهلاك لها وسط ظروف استثنائية ناجمة عن ازمة انهيار الليرة وما رتبته من ارتدادات كارثية على اعمال الصيانة وتأمين الفيول وغيرها.

لا بد من التذكير ان ازمة النازحين لم تستجد بالامس وهي تعود الى اكثر من عقد من الزمن وتحديداً منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011. فهل مقاربتها اليوم تتم من باب البعد الانساني، او من باب التوظيف الانتخابي على ابواب الاستحقاق؟

ليس مستبعداً بالنسبة الى اوساط سياسية متابعة ان يكون لفتح ملف النزوح السوري مبرراته في ظل ما يعانيه لبنان من تداعياته التي تفاقمت في شكل كبير في ظل الانهيار الذي يشهده البلد، فضلاً عن ان رفع الصوت على المستوى الدولي يمكن وضعه في سياق الضغط على مسافة ايام قليلة من انعقاد مؤتمر بروكسيل السادس حول مستقبل سوريا والمنطقة في التاسع من الشهر الجاري من تنظيم الاتحاد الاوروبي، علماً ان لبنان سيشارك في هذا الاجتماع عبر الوزيرين مرتضى وحجار.

ولا تتوقع مصادر دبلوماسية أي تغير في الموقف الاوروبي من مسألة النزوح، خصوصاً وان لبنان حصل منذ العام ٢٠١٥ وحتى اليوم على ما يقارب ٩ مليارات دولار، ومن المهم والمأمول ان يستمر هذا الدعم في ظل بروز تحد كبير افرزته الحرب الروسية على أوكرانيا ونزوح اكثر من خمسة ملايين شخص الى دول أوروبية مختلفة.

وفي رأي المصادر ان تحريك ملف النازحين اليوم لا يتجاوز في ابعاده الخلفيات الداخلية المتصلة بالعناوين الانتخابية، باعتبار ان هذا الملف والكلام عن العودة الطوعية لن يكون منفصلاً عن رزمة الحل المطلوبة في سوريا ولبنان على السواء.

بواسطة
سابين عويس
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى