الضرائب على الاستهلاك: الطريق الأسهل للتعامل مع الأزمة (الأخبار 7 شباط)

كتب ماهر سلامة في” الأخبار”:
لم تفوّت السلطات السياسية والنقدية والمالية، فرصة لإلقاء ثقل الأزمة وتبعاتها على الشرائح الإجتماعية المهمّشة. فمشروع موازنة 2022 بأهدافه الرامية إلى تحميل جميع فئات المجتمع ضريبة أفقية، لا يأخذ في الاعتبار قدرة هذه الشرائح على التحمّل ولا تأثيرها عليهم، لكن للمفارقة أدرج في نفقات الموازنة بنوداً للحماية الاجتماعية مموّلة من الضرائب على الفئات المهمشة!
زيادة الإيرادات عبر الضرائب على الاستهلاك بات يمثّل 80% من الناتج المحلّي اللبناني. وكنتيجة تلقائية لهذه الزيادة، سيتقلّص حجم الاستهلاك، ومعه سيتقلّص الناتج المحلّي الذي يتكوّن من: الاستهلاك، الاستثمارات الخاصّة، الاستثمارات العامّة، وصافي الصادرات (أي الفرق بين الصادرات والواردات). ومع تقلّص حجم الاستهلاك من دون إجراءات تعزّز العناصر الأخرى، ستكون النتيجة الحتمية انكماشاً اقتصادياً إضافياً.
من أجل صندوق النقد؟
يهدف تقليص الاستهلاك إلى تحسين أرقام الحسابات الخارجية، أي حسابات تدفّق النقد الأجنبي من الخارج واليه. ولأن معظم الاستهلاك اللبناني مستورد، فإن مفاعيل الخفض تظهر مباشرة في عجز الميزان التجاري ومنه إلى عجز الحساب الجاري الذي يختزل صافي التدفقات بالعملات الأجنبية الداخلة (الفرق بين ما دخل وما خرج) إلى البلد، والناجمة بشكل أساسي من عمليات استيراد وتصدير السلع والخدمات والتحويلات المالية الجارية (تحويلات العمال والدخل وغيرها). هذا الحساب يعاني من عجز مزمن منذ عام 2011.
لا تأخذ الموازنة بالاعتبار الضريبة القهرية التي فرضت على لبنان واسمها ضريبة التضخّم التي تحمّلها كل المقيمين في لبنان وأدّت إلى خفض عجز في الحساب الجاري. بل يبدو أن الحكومة تعتزم إكمال هذا المسار في تحميل كل طبقات المجتمع نتائج الأزمة بشكل ظالم.
لا زيادات ضريبية على الأرباح
ينبع الثقل الأكبر من الإيرادات الضريبية من زيادة الضرائب على الاستهلاك. في المقابل لا تأخذ الضرائب على الأملاك والدخل والأرباح ورؤوس الأموال حيزاً كافياً. إذ يمكن جعلها تصاعدية، ليكون العبء الضريبي على أصحاب الدخل والأملاك ورؤوس الأموال الكبيرة أكبر من الملقى على صغار الملاكين والأجراء والعمال. بمعنى آخر، لم تهدف الموازنة إلى إعادة توزيع الموارد في الاقتصاد، سواء بين المناطق أو بين القطاعات أو بين الطبقات الاجتماعية. والمعروف أن الضرائب على الاستهلاك لا تنتج إعادة توزيعٍ عادلة للموارد، بل قد تؤدي إلى إعادة توزيع عكسية لنقل الموارد من الفئات المهمشة إلى الفئات المحظية.
ومن غير المنطقي، مثلاً، زيادة الضريبة على أرباح كل الشركات خلال أزمة اقتصادية. إذ يمكن استخدام هذه الضريبة لتحفيز الاقتصاد من خلال إعفاءات لشركات بعض القطاعات التي تسهم في الإنتاج الفعلي، في مقابل زيادة الضرائب على المؤسّسات في القطاعات التي استفادت من النظام الريعي في السنوات الماضية. وهكذا هي الحال مع الضريبة على الأملاك، لا سيما الأملاك البحرية التي لا تتم جباتها حتى، وهي مكمن أساسي لإعادة توزيع الموارد.
يأتي الانعكاس الأهم للسياسات الضريبيّة التي تصب في زيادة اللامساواة في توزيع الموارد، على حساب استهلاك الطبقات المهمّشة، بحسب «النظرية العامة» للاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز. وأثبتت الأزمات الأخيرة، لا سيما أزمة كورونا، أن الدول الرأسمالية التي تحوّلت إلى النيوليبرالية في منتصف الستينيات، لم تتمكن من تخطّي سياسات كينز، خصوصاً خلال الأزمات. فقد سيطرت السياسات المالية التوسّعية على قرارات الحكومات الرأسمالية، في محاولة إعادة الاستقرار. وكان كينز من المدافعين عن استثمار الدولة في الاقتصاد بهدف تفعيل الطلب الاستهلاكي. في الحالة اللبنانية، قد لا يكون تحفيز الاستهلاك هو الحلّ بسبب الاختلال البنيوي في الإنتاج، لكن تقليصه ليس حلّاً أيضاً. فتحفيز الاستهلاك من خلال عدم رفع الضرائب عليه، وتحفيز الاستثمارات، وبالتالي زيادة الانتاج، أفضل سبيل لتنشيط الاقتصاد، حتى لو أن الأمر يعني استثمارات من العملات الأجنبية التي يحتفظ فيها مصرف لبنان.
عملياً، لا يمكن النظر إلى السياسة المالية بوصفها عصا سحرية لحلّ الأزمة. لأن وضع حدّ لأزمة القطاع المصرفي وتسوية أوضاعه، هو أمر أساسي لتنشيط الاقتصاد. وتأتي معها خطوات أخرى مثل تحديد ما سيحدث بالنسبة للديون الخارجية من شطب أو إعادة هيكلة أو أي من الأمور المطروحة. لكن من المهم، في مرحلة التعافي، أن تأتي الموازنة المطروحة في مسار يدلّ على أن الحكومة حدّدت وجهتها الاقتصادية. فللموازنة أهمية بالغة أيضاً في تطبيق السياسات الاقتصادية التي تعتزم أي حكومة القيام بها. إلا أن ما ظهر في مشروع الموازنة الأخير لا يدلّ على أن الحكومة ذاهبة في اتجاه اتخاذ خطوات تعافٍ، بل يدل فقط على «تجميل» الأرقام للحصول على رضا صندوق النقد.
«الدولار الجمركي» أداة للـ«Import Control»
قررت الحكومة في مشروع الموازنة المطروحة لعام 2022 أن ترفع «الدولار الجمركي» لتحصيل المزيد من الإيرادات الضريبية. «الدولار الجمركي» يعني رفع سعر صرف الدولار الذي على أساسه تحتسب الرسوم الجمركية على السلع المستوردة.
كان يمكن استخدام الدولار الجمركي كأداة «Import Control» للتحكّم في استيراد السلع وكمياتها. فمن الممكن رفع «الدولار الجمركي» على سلع محدّدة لا يحتاجها الاقتصاد حالياً بنفس مستوى حاجته لسلع أخرى، مثل السيارات والمجوهرات وغيرها. وفي المقابل تحافظ على «الدولار الجمركي» للواردات الأساسية التي لا تؤثّر على استهلاك الفئات المهمّشة. كما يمكن فعل الأمر نفسه من خلال ربط استيراد السلع بإجازات استيراد تصدر عن الوزارة المعنية، ويمكن أيضاً منع استيراد سلع معينة، لكن يعدّ «الدولار الجمركي»، أو التحكم بالرسوم الجمركية، هو الأداة الأكثر سلاسة لتطبيق عملية للتحكم بالاستيراد.



