من العالم

كيف نتابع أخبار الوباء من دون الإصابة بأمراض نفسية؟

مع تحوّل كورونا إلى وباء عالمي في آذار الماضي، إزداد معدل تصفّح المواقع الإلكترونية الإخبارية بشدة في مختلف أنحاء العالم، وسجلت الشبكات التلفزيونية إقبالاً قياسياً عليها كذلك، بما شَمل زيادة في عدد المشاهدين الأصغر سناً، ممّن يتجنّبون عادة نشرات الأخبار المسائية التقليدية.

تفيد البيانات أنه رغم أنّ عدد مشاهدي البرامج التلفزيونية الإخبارية لا يزال أكبر من المعتاد في الكثير من دول العالم، فإنّ الأعداد في بعض بقاع الأرض بدأت في التراجع. وأفاد معهد «نيمان جورناليزم لاب»، المعني بالصحافة والتابع لجامعة هارفارد، مؤخراً بأنّ «معدلات تصفح الأخبار على المواقع الإلكترونية الإخبارية في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم، باتت الآن مماثلة بشكل كبير لمستوياتها قبل تفشي وباء كورونا».

وهنا يقول الصحافي الدنماركي أولريك هوغوب، إنّ الأشخاص يدركون «في أوقات الأزمات حاجتهم إلى وجود صحافة محترمة. لكن الأمر أصبح الآن يفوق قدرة المتلقّين على التحمّل، لأنه لم تعد هناك في الأساس سوى الموضوعات المتعلقة بوباء كورونا».

ويشير هوغوب، الذي أسّس مؤسسة «ذا كونستراكتيف إنستيتوت» المهتمة بتشجيع الصحافة المتوازنة التي تنشد إيجاد حلول للمشكلات، إلى أنّ أهمية موضوع الوباء كقصة خبرية، لا تنفي «حقيقة نفسية معروفة جيداً، تفيد بأنّ إغراق المرء بأنباء متعلقة بموضوع ما، يقوده إلى أن يعود أدراجه وممارسة عاداته اليومية من جديد».

كيف تؤثر علينا الأخبار السيئة؟

يرى خبراء العلاج النفسي أنّ هناك نزعتَين سائدتَين حالياً، في ما يتعلق بالتأثيرات السلبية الناجمة عن متابعة الأخبار الخاصة بوباء كورونا.

1 – إحساس يسمّى «إنهاك كورونا»: عبارة عن الشعور بالسأم والإرهاق من الوضع الذي نجد أنفسنا فيه الآن.

2 – دورة الأخبار المستمرة بلا هوادة، ربما تفاقم الشعور بالقلق أو الاكتئاب، لدى من يعانون مشكلات أصلاً على صعيد الصحة العقلية والنفسية.

ويوضح ديفيز انّ الإنسان القلق يركّز أحياناً على أشياء سيئة محتملة ويبالغ فيها، بدلاً من أن يولي تركيزه على الأمور المُرجّح وقوعها.

وربما لا يكون من السهل على الأشخاص القلقين التوقّف عن متابعة الأخبار، لأنّه من بين خصائص الشعور بالقلق بوجه عام، كونه يدفع من يحسّون به إلى «التحقق من صحة المعلومات التي تَرد إليهم، في مسعى منهم لتخفيف قلقهم».

لكنّ العكس قد يكون صحيحاً بالنسبة لمَن يعانون الاكتئاب، إذ يقول ديفيز إنّ تعرضهم لقدر أكبر من اللازم من المعلومات المتعلقة بوباء كورونا، يجعلهم يكفّون تماماً عن متابعتها ولا يبالون بها أيضاً. ويشير إلى أنّ أشخاصاً مثل هؤلاء، يلوذون في هذه الحالة بمصادر «خطرة» للتحفيز والتنبيه الخارجي، مثل الإفراط في تناول الطعام أو احتساء المشروبات الكحولية.

الكف عن متابعة الأخبار

هناك عدد لا يستهان به من الأشخاص، ممّن يجدون أنفسهم – لأسباب مهنية – مُستنزَفين بقدر أكبر من المعتاد، بفِعل متابعة الأخبار المتلاحقة. من بين هؤلاء، الصحفيون والمسؤولون الحكوميون والأطباء والعلماء، وأُضيف إليهم مؤخراً من يتولّون تصنيع المُطهرات والمُعقمات. ويحاول هؤلاء الفصل بين حياتهم الشخصية ونظيرتها المهنية.

الوصول إلى نقطة التوازن

يقول الخبراء إنه يمكن أن يُشكّل تَصفّح عناوين الأخبار مرة واحدة يومياً، هدفاً معقولاً في هذا السياق، سواء كان ذلك عبر زيارة مواقع إخبارية على شبكة الإنترنت، أو مشاهدة إحدى النشرات الإخبارية التلفزيونية، أو الاطّلاع على بيان حكومي يتعلق بأزمة الوباء.

وقد يتم تقليص ذلك إلى مرة واحدة أسبوعياً لمَن يعاني معدلات مرتفعة من القلق. الى جانب ذلك، من الضروري كما يقول ديفيز؛ أن ينتقي المرء موقعاً إخبارياً موثوقاً به أو وسيلة إعلام تحظى بالمصداقية، من تلك التي تركز على «الحقائق لا على الحدس والتخمين».

وتنصح ليز مارتِن، خبيرة في العلاج النفسي، من لا يستطيع تحمّل عبء ملاحقة الأخبار المرتبطة بوباء كورونا على الإطلاق، أن يستعين بأصدقاء مقرّبين، لا يتضررون بالقدر نفسه من متابعة تطورات الوباء، طالما كان هؤلاء يتابعون وسائل إعلام موثوقاً بها.

ولكن يقول ديفيز إنه يتعيّن على المرء أن يجد كذلك أشياء ليتطلع إليها في المستقبل، الى جانب تحقيقه لأقصى استفادة ممكنة مِن حاضره. ويوضح ذلك بالقول: «علينا إدراك أنّ ما نمر به الآن سينتهي، وأنه موقف محدد بمدى زمني ما، وأنّ الحال سيتغير، حتى وإن كان الوضع لا يبدو كذلك في بعض الأحيان».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى