إغلاق المدارس ليس حلاً: بقاء التلامذة في منازلهم ينذر بأكبر نكسات في التعليم والصحة (النهار 12 كانون الثاني)

كتبت روزيت فاضل في ” النهار”:
تلوح أزمة جديدة خطيرة في الأفق تُنذر بأكبر نكسات في التعليم والصحّة النفسيّة والجسديّة لدى التلامذة في التعليم الرسميّ، الذين أرغموا على البقاء في منازلهم بسبب إضراب الروابط التعليمية، بعد التلكّؤ في تحقيق مطالبهم، في حين يتأرجح توفير التعليم في القطاع الخاصّ بسبب خشية الإدارات من تداعيات كورونا.
يُشير المنطق إلى أن تأجيل فتح المدارس أسبوعاً كاملاً لا يحلّ مشكلة مضاعفات الوباء، الذي يُمكن الحدّ منه من خلال تلقيح الأسرة التربوية والإدارية وذوي التلامذة، بالرّغم من وجود ممانعة من بعضهم لتناول التلقيح.
حاولت “النهار” طرح مقاربة علميّة وطبيّة من خلال مقابلة كلّ من الاختصاصيّة في طب العائلة، والأستاذة المساعدة في كلية الطب في جامعة بيروت العربية، الدكتورة ريم طالب، والصيدلانيّة العياديّة نانسي دبوق.
إقفال المدارس
“إغلاق المدارس ليس الحلّ”، قالت الدكتورة طالب، وأكملت بالتذكير بأنّ إقفال المدارس لن يُغيّر من واقع “أنّ الزيارات العائليّة قائمة، والأسواق وأماكن اللعب مفتوحة”، متسائلة إن كان هذا سيحدّ من تفشّي الوباء، وعمّا إذا كان التعليم من بُعد يُعتبر حلاً مع وجود التحدّيات الأُخرى من انقطاع التيار الكهربائي وضعف الإنترنت وغير ذلك.
ثم وضعت طالب فرضيّة أنه “إذا شاءت الظروف أن تُغلق المدارس بسبب كورونا، وكلّ مقوّمات التعليم من بُعد قد تأمنت مثلاً، فهل هذا سيفي بغرض التعليم والتربية للأطفال؟”، وإجابتها بالتأكيد “أنّ بعض الدراسات أظهرت الأثر السلبيّ للتعليم من بعد على صحّة الأطفال البدنيّة والنفسيّة، خاصة في الدول النامية، مثل لبنان، حيث تعاني العائلات من التحدّيات الاقتصادية، إضافة إلى المشكلات الاجتماعية، لا سيما التفاوت الاجتماعي”.
أكّدت طالب أن الرأي العلميّ بخصوص التلقيح وأهمية اعتماده يُفيد بأن “اللقاحات المضادّة لكوفيد-19 أثبتت فاعلية عالية في الحماية من الإصابة بالعدوى عند الراشدين والأطفال”، مشيرة إلى أن “دراسة أجراها باحثون في أريزونا عكست فاعليّة لقاح كورونا المنتج من فايزر، والتي تصل إلى 92 في المئة، بعد 14 يوماً من الجرعة الثانية عند المراهقين ما بين 12-17 سنة، مع العلم أن ما من لقاح موجود يحمي بنسبة 100 في المئة”.
أهمية اللقاح
قالت طالب إن “دراسة أجريت في الولايات المتّحدة، ونُشرت منذ أيّام، أظهرت أن تلقّي جرعتين من لقاح فايزر يحمي بنسبة 91 في المئة من إصابة المراهقين بعمر 12-18 سنة بمتلازمة التهاب الأجهزة المتعددة، وهي من المضاعفات الخطيرة لفيروس كورونا عند الأطفال”، مشيرة إلى أن “أهمية اللقاح تكمن أيضاً في الحدّ من ظهور المتحوّرات الجديدة، إذ إن أحد أهمّ أسباب ظهور المتحورات هو عدم توقف انتشار الفيروس”.
رداً على سؤال عن دور التلقيح في تحقيق العودة الآمنة إلى المدرسة لكلّ من التلامذة، المعلّمين، والأهل، أكّدت طالب “أن للتلقيح دوراً مهمّاً جداً في العودة الآمنة إلى المدارس، إلى جانب اتّباع أساليب الوقاية كالكمامة وتعقيم اليدين والتباعد”، مشيرة إلى أنّ “اللقاح يحمي من الإصابة عند الأطفال والراشدين. وتالياً، في حال كان أحد التلاميذ مصاباً، ومَن حوله ملقّحاً، يُصبح احتمال إصابتهم أقلّ. وإذا أصيبوا، تكون أعراض الإصابة طفيفة، في أغلب الأحيان”.
أضافت: “يبقى أن يشمل التلقيح التلاميذ من عمر 5 إلى 11 عاماً ضمن برنامج التلقيح، لأن اللقاح أثبت فاعليّته ضمن هذه الفئة العمريّة أيضاً”.
تثقيف التلامذة
توقّفت طالب عند الخطوات المطلوبة لتعزيز الثقافة العلميّة المتعلّقة بالتلقيح، فرأت أن “حملات التوعية لا تكفي”، ودعت إلى “العمل على تثقيف التلاميذ بالمواضيع الصحيّة منذ صغرهم”.
برأيها، “الأهمّ من ذلك تعليمهم كيف، وأين يجب عليهم البحث عن المعلومات المبنيّة على الإثباتات العلميّة، وتجنّب بناء أفكارهم على أساس ما يسمعون حولهم، أو ما يصلهم من معلومات “مفبركة”، وغير علميّة عبر وسائل التواصل”، مشيرة إلى أن “هذا يكون بإدخال أساليب التفكير العلميّة في المناهج المدرسية، ممّا يجعلنا نستنتج أهمية التركيز على العلم، وأهمية أن يبقى التلاميذ في مدارسهم”.
فالمدرسة – وفقاً لها – “مجتمعهم المصغّر. وهي المكان الذي يتعلّمون فيه – إضافة إلى البيت – التواصل مع الآخرين، وتقبّل الآخرين إلى جانب دروسهم من علوم وآداب ولغات”.
انتقلت في حوارها إلى قراءة علميّة للحركة المناهضة للتلقيح، فشدّدت على أنّها “ليست حركة حديثة”، مؤكّدة أن “هذه الحركة تتكوّن من مجموعات ترفض التلقيح، وترى فيه خطراً أكثر من الإصابة بالمرض نفسه. مثلاً، الحركة المناهضة للقاح الحصبة، والتي كانت تعتبر هذا اللقاح مرتبطاً بإصابة الأطفال بالتوحّد. لاحقاً، أثبتت الدراسات العلميّة العديدة عدم وجود علاقة للقاح الحصبة بالتوحّد”.
مناهضة التلقيح
أمّا المجموعات المناهضة للقاح الكوفيد-19 – وفقاً لها – “فمعظمها يرتكز على نظريّات غير علميّة، بالرّغم من نتائج الدراسات التي بدأت تُظهر مدى فاعلية اللقاح”.
وخلصت إلى اعتبار أن “للحركة المناهضة للّقاح وجوداً على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مجموعات وصفحات”، مشيرة إلى “أن التقارير الجديدة أثبتت أن وسائل التواصل تجني أرباحاً بملايين الدولارات باستفادتها من وجود الحركة المناهضة للّقاح على منصّاتها”.
واعتبرت أيضاً أن “نتائج استفتاء أُجري في بريطانيا عكَسَ أن الأشخاص، الذين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات عن الجائحة كانوا أكثر تردّداً في أخذ اللقاح”، لافتة إلى أن “منظّمة الصحّة العالميّة حذّرت من خطورة انتشار المعلومات الخاطئة عن كوفيد-19 عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.
أما دبوق فذكرت أنّه “بعد الزيادة الكبيرة في أوميكرون في لبنان، وبالرغم من إصرار وزارة التربية والتعليم، بالتشاور مع وزارة التربية، على فتح المدارس، قررت المدارس في لبنان إما الإغلاق وإما العودة إلى التعلّم من بعد”.
الصحة العقلية
وقالت: “مع ذلك، هذا ليس العام 2020 عندما لم نكن نعرف الكثير عن الفيروس، عندما اعتقدنا أن إغلاق المدارس سيحدّ من انتقال الفيروس. يوجد الآن دليل واضح على أن إغلاق المدارس المرتبط بالوباء يؤذي الأطفال”.
وشدّدت على أن “إغلاق المدارس لفترات طويلة يؤدّي إلى زيادة مخاطر الإصابة بسوء الصحّة العقليّة والسمنة وزيادة خطر سوء معاملة الأطفال، فضلاً عن فقدان التعلّم”، مستشهدة “بدراسة الصحّة العقليّة الوطنيّة للأطفال والشباب، التي أظهرت أن اضطرابات الصحة العقلية المحتملة لدى الأطفال والشباب قد زادت من 1 من كلّ 9 إلى 1 من كلّ 6 خلال الوباء، فيما قفزت معدّلات السمنة بين الأطفال بشكل كبير في الأشهر الأولى من جائحة COVID-19، وفقًا لدراسة نُشرت على الإنترنت في Pediatrics Journal. ويشعر الخبراء بالقلق من أن الوزن الزائد سيكون مشكلة مستمرة لهؤلاء الأطفال”.
وأكّدت أنه “فضلًا عن ذلك، زاد عدد زيارات الطوارئ العائدة إلى إهمال الكبار الإشراف على الأطفال بنسبة 62 في المئة (p <0.01)مع انخفاض الإحالات الطبيّة لحماية الطفل بنسبة 36 في المئة إلى -39 في المئة خلال الجائحة”.
خطر التعليم
أما بالنسبة إلى النمو العقليّ والمعرفيّ، فقد أشارت دبوق إلى أن “فقدان الأطفال للتعلّم أثناء الوباء لا يُمكن تعويضه ببساطة عن طريق العمل في وقت لاحق، وسوف يساهم في تدهور الصحّة وانخفاض متوسط العمر على المدى الطويل”.
وذكرت أنه “في غضون ذلك، حذّر تقرير صادر عن اليونسكو واليونيسيف والبنك الدولي الشهر الماضي من أن الجيل الحالي من الطلاب يُخاطر بخسارة 17 تريليون دولار من أرباحه مدى الحياة بسبب إغلاق المدارس بسبب فيروس كورونا”، مشيرة إلى أن “التقرير وجد أن ملايين التلامذة معرّضون لخطر عدم استئناف تعليمهم أبدًا. ولقد شهد التلامذة الأفقر والمهمّشون، سواء في البلدان الغنيّة أو الأفقر أكبر النكسات في التعلّم”.
بالنسبة إليها، “كلّ ذلك وأكثر يُنذر بأن التهويل الإعلامي والمصالح المخفيّة للمدارس ممّا سيكون كارثيًا على الأطفال”.
أمّا بالنسبة إلى استعمال العدد المرتفع للحالات، فقد أكّدت دبوق أن “الدراسات أظهرت في دول مثل كندا واليابان والولايات المتحدة أن إغلاق المدارس له تأثير محدود على انتشار الفيروس”، مشيرة إلى “دراسات أظهرت أن المعلّمين لديهم نفس مستوى الأجسام المضادة مثل الأشخاص في المهن الأخرى. والأخطر من ذلك كلّه أن الدراسة الكبرى The School Infection Study أظهرت أن انتشار عدوى SARS-CoV-2 كان أقلّ بين الأطفال الذين تمّ اختبارهم في موقع المدرسة مقارنةً بالأطفال من خارج نطاق المدرسة في صيف2021”.
وخلصت إلى أنه “من الضروريّ أن تقوم وسائل الإعلام بعمل أخلاقيّ من خلال عدم زيادة الهستيريا الجماعية. التلقيح للجسم التربوي، بالإضافة إلى استعمال الكمامة والتهوية المناسبة هي المتطلّبات الوحيدة للعودة إلى التدريس الشخصيّ. وإذا لم نفعل ذلك، فإنّنا ننتظر عواقب صحية وعقليّة مدى الحياة لأطفالنا”، “فالعلم لا يكذب: المدارس لا تساهم في زيادة حالات كورونا بل هي تنقذ جيلًا بأكمله من الضياع”.



