مطاعم فاخرة تفتح في أكحل الظروف… كيف نفهم هذه الظاهرة؟ (النهار 29 تشرين الثاني)

كتبت فرح نصور في” النهار”:
ظاهرة لافتة واستثنائيّة نراها اليوم وسط الأزمة التي تعصف بالبلاد. عددٌ من المطاعم الفاخرة الجديدة يفتح في أحلك الظروف، من دون وَجَلٍ أمام التقلّبات الحادّة في أسعار صرف الدولار. لربّما هو ضرب من الجنون بالنسبة إلى البعض، لكن ما لا شكّ فيه هو أنّ اعتماد هذه المطاعم يبقى على زبائن الفرش (fresh)، ووجودها هو حاجة تسويقيّة أكثر منها ربحيّة.
مطعم Le Grand Bar
مطعم Le Grand Bar كان موجوداً ومُخطَّطاً له سابقاً، وفق ما يروي لنا أحد الشركاء في شركة “Holding SP” المالكة لسلسلة مطاعم في لبنان، من ضمنها مطعم Le Grand Bar، بيار زيادة. كان هذا المطعم يحمل اسم Celsius إلّا أنّه أقفل بعد تحرّكات 17 تشرين وانتشار كورونا. لكن الإدارة قرّرت إعادة فتح المحلّ، بما أنّه كان مُجهَّزاً، وتنقصه بعض التعديلات، و”لم نقم باستثمار من الصّفر؛ فهذا الاستثمار هو استثمار كبير بحدّ ذاته”، بحسب ما يقول زيادة لـ”النهار”.
نفقات المشروع الأساسية والكبرى كانت مدفوعة قبل 17 تشرين، وقامت الشركة – وفق زيادة – فقط بتغيير الاسم ومفهوم هذا المطعم، “بناءً على رؤيتنا بأنّ البلد بحاجة إلى مكان يجمع ما بين العشاء والسّهر في آن معاً”.
وعن تسجيل الأرباح في ظلّ الأزمة الراهنة، يقول زيادة: “لا نعمل الآن لتسجيل الأرباح، فهي غير موجودة، لكننا نعمل فقط لتسديد نفقات مصاريف المحلّ، ولو كان مغلقاً، من مازوت وكهرباء، ورواتب الموظّفين. لذلك، فتح المطعم اليوم ليس مجازفة”.
في هذا السياق، الشركة فتحت على أسواق عربيّة، حيث أطلقت فروعاً لمطاعمها. ويوضح زيادة بأنّ هذه ال##مشاريع في الخارج هي الداعمة للمطعم الذي يفتحه في لبنان، و”لولا مطاعمنا في الخارج، لما استطعنا الاستمرار في لبنان، ولولا أنّ المطعم لم يكن جاهزاً من قبل، لما قمنا باستثماراتنا في المطاعم، فهي استثمارات ضخمة”.
وفي حين أن فكرة الاعتماد على زبائن الـ fresh واردة لدى بعض المستثمرين، يقول زيادة أنّ “هذه الفكرة لم تراودنا، ولم نسعَ إليها، بالرغم من أنّه من المؤكد أنّ في لبنان فئة من الناس تتقاضى “الفريش” دولار، إلى جانب مغتربين يجدون أنّ السياحة في لبنان رخيصة بالنسبة إلى الخارج”.
والجدير بالذكر أنّ مطعم Ai”>Ai زاد شريكاً، بعد أن فتح أبوابه مؤخّراً، مقابل Le Grand Bar في ميناء الحصن، ويتحضّر للافتتاح في أول شهر كانون الأول.
مطعم Ai الفاخر فتح أبوابه مؤخّراً، وقد امتلأت باحاته بالزبائن في مشهد لافت. هنري فرح، أحد الشركاء في شركة Kamcatering المالكة لسلسلة مطاعم في لبنان، من ضمنها مطعم Ai، يشدّد في تصريح لـ”النهار” على البقاء “في هذا البلد، ونريد أن نعمل فيه. صحيح أنّ الأزمة الراهنة هي فترة صعبة، إلّا أنّها ستمرّ، ودائماً لدينا أمل بأنّ الظروف ستتحسّن. وبطبعنا كلبنانيّين نشيطين ومندفعين”.
لم يدفع عدم استقرار العملة بأيّ خطوة إلى الوراء لدى القيّمين على Ai، “بالرغم من انتفاء أيّ شك في أنّ الخطوة مخيفة ومقلقة”. لكن العمل بدأ في هذا المطعم في الـ2018، ثم توقّف بعد 17 تشرين، وقد “وصلنا إلى مرحلة وجدنا فيها حاجة في بيروت إلى مطعم بحلّة جديدة وذي معايير عالمية”. هذا ما يؤكّده فرح، مضيفاً أنّ “نسبة من اللبنانيين هاجروا، لكنّ النسبة الأكبر لا تزال موجودة في لبنان وتحتاج إلى أماكن مرتّبة للخروج والترفيه ولمطاعم أجنبية؛ لذلك اتّخذنا قراراً بخوض هذه المغامرة، وكان الإقبال أكبر بكثير ممّا توقّعنا”.
لا شكّ في أنّ مَن لديه تاريخ في قطاع المطاعم، يشكّل له دعماً في أيّ مطعم جديد يفتحه، وهذا ما حدث مع مطعم Ai، كما يسرد فرح، و”قد رفعنا معايير المطعم إرضاءً للزبائن أكثر، والناس يعبّرون بإيجابية كبيرة عن تجربتهم في مطعمنا”.
وعن تمويل المشروع، يقول فرح إنّ “البدء بهذا الاستثمار كان قبل أزمة الدولار، وجزء كبير منه تمّت تغطيته من المستثمرين، وجزء تمّ تأمين التغطية له بقرض من البنك، والباقي تمّ دفعه منّا”. كذلك، فتح هذا المحلّ فرص عمل لـ 75 موظفاً.
هل فتح المطاعم الفاخرة حالياً هو اقتناص فرص؟
اللبناني لا ييأس، ويحبّ المجازفة ولا يتوقّف. وبطبيعته يحبّ الحياة، ومعروف عنه أنّه مقدام وسبّاق في مشاريع المطاعم. هكذا افتتح أمين الصندوق في نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان، عارف سعاده، حديثه لـ “النهار”.
ويروي أنّ مشاريع كثيرة كانت محضَّرة، ومخطَّط لها خلال العام 2019، وقبل تحرّكات 17 تشرين، ومنذ بداية الـ2020، حين لم تكن الناس تتوقّع أن تطول الأزمة. لكن التحضيرات لمشاريع كبرى من الصّعب أن تتوقّف، فالاستثمارات الضّخمة من الصعب التوقّف عنها، لأنّ التراجع يكبّد المعنيّين خسائر ضخمة، بينما المشاريع الصغيرة لا تحمّل خسائر كبيرة إذا ما غيّر المستثمِر رأيه في إكمالها.
ولكون هذه المشاريع موجودة وأفكارها جاهزة، “فالباب يبقى مفتوحاً لشراء الوكالات الحصرية في مجال المطاعم اللبنانية، فالمستثمِر الخارجي لن يتشجّع على شراء العلامة إذا ما رأى محلّها مقفَلاً ومن دون إعلانات وتسويق”، وفق شرح سعادة.
هل يسعى المستثمرون إلى تحويل الأزمة إلى فرصة؟
“أبداً لا”، يجيب سعادة، “فالمؤسسات التي فتحت، تتحضّر لأن تفتح في الخارج بالأسماء نفسها، وهي تابعة لسلسلة مطاعم أخرى. وعدم فتح هذا المطعم الجديد في لبنان، يضرب اسم المطعم الذي ينوون فتحه في الخارج كوكالة حصريّة”، وفق تعبيره.
ولا يمكن اعتبار أنّ تراجع تكاليف اليد العاملة في لبنان كان حافزاً للاستثمار في المطاعم، لأنّ تكلفة اليد العاملة تتراوح ما بين 8 إلى 10%من تكلفة أيّ مشروع. لكن المشكلة في قطاع المطاعم تتمثّل في أنّ القدرة الشرائيّة لدى المواطنين تراجعت بشكل كبير، ومهما انخفضت تكلفة اليد العاملة، فالنفقات الأخرى هي باهظة من كهرباء ومازوت وما إلى ذلك.



