أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

تشريعات وقوانين واقتراحات لاستثمار أموال المودعين في الكهرباء: لا ثقة! (النهار 24 تشرين الثاني)

كتبت سلوى بعلبكي في”النهار”:

أكثر من عامين على أزمة المودعين في المصارف ولا تزال الحلول غير متاحة في ما عدا الوعود التي يتلقاها هؤلاء بإصدار تشريعات وقوانين تحمي حقوقهم، وآخرها ما أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه برّي أمام وفد من المودعين بأنه يجري العمل على إصدار التشريعات الكفيلة بتثبيت وحفظ حقوق ودائعهم، ورفض أيّ محاولة لإسقاط هذا الحق بالتقادم أو بمرور الزمن.

توازياً، برز اقتراح القانون المقدّم من النائب طوني فرنجية، لتأمين الكهرباء 24/24 خلال سنتين ونصف، من أموال المودعين، وينصّ على “إتاحة الخيار أمام المودعين الراغبين في الاكتتاب بشركات خاصّة تمتلك معامل كهرباء، بقيمة معيّنة من أموالهم بأسهم تُطرح لاحقاً في البورصة، تكون موجودة على شكل أسهم”. فهل الاستثمار المقترح مجدٍ للمودعين؟ وما سرّ توقيت الإعلان عن إصدار تشريع جديد الآن ما دامت الأزمة مستمرّة منذ عام 2019؟ وهل النظام القانوني القائم في لبنان يحمي المودع؟

لا يرى الخبير الاقتصادي لويس حبيقة أيّ مشكلة في الاقتراحات المتعلقة بإستثمار أموال المودعين ما دامت اقتراحات خيارية، و”لكن الأهمّية هي في حماية الأشخاص الذين يختارونها”، إذ برأيه “لا ثقة باستثمار أموال المودعين من أيّ جهة كانت في لبنان على اعتبار أن مصير هذه الاستثمارات معروف سلفاً”. من هنا يعارض حبيقة هذا الخيار. وأكثر… يتخوّف من الضغط على المودعين والتحايل عليهم للسير بمثل هذه المشاريع خصوصاً أن الأنظمة السياسية في لبنان “فالج لا تعالج”.

يوافق الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان زميله حبيقة في أهمّية الاقتراحات المتعلقة باستثمار أموال المودعين وخصوصاً في قطاع الكهرباء، ولكنه في الوقت عينه يطرح علامات استفهام حيال الإيرادات التي ستتأتى من القطاع والتي ستكون حتماً بالليرة اللبنانية أي بمعنى آخر سيسترجع المودعون ودائعهم بالعملة الوطنية، وتالياً “لا أعرف المنفعة للمودع إذا استردّ أمواله بالليرة. أمّا الإيجابية لمثل هذه الاقتراحات فهي في أن يدير القطاع مؤسّسة خاصّة بغية التخلص من المحاصصات والتعدّيات على الشبكة ورفع نسبة الجباية”.

من جهته، لا يفرّق المتخصّص في الرقابة القضائية على المصارف المركزية وأجهزة الرقابة التابعة لها المحامي الدكتور باسكال فؤاد ضاهر، بين السلطة والمصارف، “فهما على خلاف ما يروَّج أنهما فريقان متصارعان، فإن كلّاً منهما متعاضد وملتحم مع الآخر إلى أقصى الحدود، حتى إن كلّاً منهما يغطّي الآخر في مخالفاته.

أمّا السبب في تظهيرهما الخلاف، فهو بغية تعميق سياسة السبات الاجتماعي المطلوبة لتخدير الشعوب وهي نظرية قديمة تقوم على إيجاد نقيضين متصلين لتشتيت عقل المتلقي من الشعب”. لذا وبغية حماية المودع وإعادة وديعته بعملة العقد يصرّ ضاهر على ضرورة فصل السلطة السياسية عن النقدية قولاً وفعلاً وممارسة، وإعادة العلاقة بينهما الى الأسس القانونية، وفصل كلّ منهما عن السلطة القضائية.

الى ذلك، لا يفصل ضاهر بين التصاريح والاقتراحات التي تصدر عن أهل السلطة وما نسمعه بين الفينة والأخرى عن مسار المفاوضات التي تجري مع صندوق النقد الدولي “فهذه التصريحات تقع ضمن نطاق الشعبوية دون أن تحقق أيّ أثر فاعل، بدليل اقتناع لجنة المال والموازنة برأي المصرف المركزي القاضي بأن رفع سعر التعميم الرقم 151 “الفاقد للقانونية والمتوقف تنفيذه بقوّة قرار مجلس شورى الدولة الخاصّ بسعر الـ3900، سيؤدّي الى تضخم” فيما نرى في المقابل أن رئيس اللجنة مع نواب ينتمون إلى الخط السياسي عينه تقدّموا باقتراح قانون يرمي إلى زيادة قيمة الرواتب لموظفي القطاع العام وبقيمة تصل إلى 2,986 مليار ليرة… فهل هذا المبلغ لا يؤدّي إلى تضخم؟

علماً بأن الحلّ بسيط جداً في ما يتعلق بالمودع إذ يكفي تطبيق قرار مجلس شورى الدولة السالف الذكر والقاضي بإلزام المصارف تسديد الوديعة بعملتها وحينها يتوقف التسديد البدلي بالليرة وينتظم التضخم الناشئ عن إشكالية هذه التعاميم غير القانونية”. وبناءً على ذلك يرى ضاهر أنه “لا حاجة لصدور أيّ قانون لأن حقوق المودعين على ودائعهم لا تسقط بالتقادم، كما أن حرّيتهم التامّة في التصرّف بها وتحويلها واستردادها بعملة العقد مكفولة قانوناً، وجلّ ما تحتاج إليه هو تطبيق القوانين ولا سيّما أن الكتلة التشريعية المالية والمصرفية متطوّرة وعلى قدر عالٍ من الأهمّية”.
وقبل الغوص في ماهية القوانين التي تحمي المودع وتنزع القانونية عن إجراءات المصارف، يرى ضاهر أن حقوق المودعين تمرّ راهناً في أخطر وأسوأ مرحلة على الإطلاق ولا سيما تلك المتعلقة بالخطط المقدّمة من الحكومة ومصرف لبنان وجميعة المصارف من جهة وصندوق النقد من جهة أخرى، وفق ما بات يُعرف بخطة النهوض الاقتصادي وذلك بعدما التحمت وجهة نظر الحكومة مع تلك الخاصّة بالمصارف… وأكثر، فإن الخطورة تكمن وفق ضاهر، في النقاط المتعلقة بفجوة الخسائر بالعملة الأجنبية، ولا سيّما أن المعالجة المؤلمة المقترحة ستتمّ إما بقوننة “الهيركات” الثقيل المتّبع على السحب مقسّمة على مراحل تصل إلى 20 سنة، أو بتحويل جزء من الودائع بالعملات الأجنبية إلى سندات طويلة الأجل بالليرة، أو أن تُستخدم الودائع لتمويل مشاريع فاشلة، وتالياً فيما المفاوضات قائمة مع صندوق النقد، فإن العين على إنشاء شركات مساهمة لإدارة القطاع العام، تمتلك فيها المصارف “حصّة الأسد” من الأسهم لتتحكّم بإدارتها وتوزيع أرباحها على حساب المال العام، علماً بأن المصارف باتت تجاهر وفق تصريحات متكرّرة لرئيس جميعة المصارف بأنها “مستعدّة لتمويل المشاريع”، أي إنها تعترف على الملأ بأن المال موجود إلّا أنها تمنعه بصورة غير قانونية عن المودع بعملة العقد وتعمل على إبدالها بالليرة وبشكل منقوص عن قيمتها الحقيقة (3900 ليرة فيما الدولار في السوق نحو 23 ألف ليرة). ويؤكد ضاهر أن “أيّ تشريع من هذا القبيل سيكون معرّضاً للإبطال أمام المجلس الدستوري لتناقضه مع المفهوم القانوني للوديعة، ومع حرمة الملكية الخاصّة وحرّية التصرّف بها المنصوص على حمايتها في الدستور اللبناني، لذا فإن الحلّ المقترح واقع على عاتق وحساب المودع والدولة دون المصارف لأن هدف المفاوضين من الطرف اللبناني يرمي فقط إلى حماية المصارف”.

ويسأل “لماذا لا يُعتبر المودع شريكاً في الربح للقطاع المصرفي الذي لا يزال على الرغم من الأزمة الراهنة، يحقق أرباحاً ويطفئ خسائره من مال المودع”، مشدّداً على أن عبارة “مودع” كافية بحدّ ذاتها من الناحية القانونية للقول بعدم صحّة كلّ ما يجري تسويقه، علماً بأن أيّاً من رجال السلطة لم يتطرّق الى موضوع إعادة الأموال المنهوبة من خزائن الشعب وتلك المهرّبة منهم بالتواطؤ في ما بينهم وبين المصارف التي شرعت لهم دون سواهم وبصورة غير قانونية الإفادة من هذه الخاصّية وحرمانها في المقابل عن مجموع المودعين.

وفيما ثمّة إجماع على أن ردّ الأموال المنهوبة سيشكل حكماً رافعة اقتصادية كبرى، يرى ضاهر أن “التوجّه مستمرّ، وعن سابق تصوّر وتصميم، إلى نهب ما بقي من حقوق الشعب، علماً بأنه يجب على الساسة والمصارف بصفتهم وأموالهم الشخصية أن يتحمّلوا وزر ما جنته أياديهم، ووقف توجّههم الى جيوب الشعب الذي يلفظ أنفاسه وهم لا يأبهون إلا بتعميق أرباحهم، علماً بأنهم سلطة منتخبة من الشعب وعليهم واجب العودة إليه”.

وإذ يرى أنه قد حان الوقت لتتحمّل السلطة المسؤولية بشقيها الأخلاقي والمالي، يعتبر أن “عملية تحميل المودعين الخسائر تشكّل خرقاً لكلّ القوانين ذات الصلة المرعيّة الإجراء في لبنان وتلك ذات البعد الدولي، ولا سيما أن هذه القوانين المصرفية تحمي المودع وتلزم المصارف احترام العقود الموقعة، وتالياً ردّ الوديعة بعملتها وفور طلب المودع”.

 

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى